نــظــم الــتــوثـيـــق
د.بشار عباس
1- التوثيـق فـي
التاريــخ :
تعود بدايات التوثيق إلى عصور
ما قبل التاريخ ، أي أن بدايات التوثيق سبقت التدوين الكتابي ، ذلك أن التوثيق بمفهومه
الواسع ، أي حفظ الأحداث التاريخية و المعلومات العلمية و نقلها إلى الأشخاص الذين
يمكنهم الاستفادة منها ، ينطبق أيضاً على التناقل الشفاهـي للمعلومات و المعـارف و
المهارات ، و لا بد أن نتذكر أن الشعر الجاهلي أسهم في توثيق تاريخ العرب قبل
الإسـلام ، وأن ملاحـم هوميروس الشاعر الإغريقي الأعمـى " وثقت " فترة
تاريخية كانت غائرة في عمق الذاكرة الإغريقية ، و أن التناقل الشفاهي لملحمتي
الأوذيـسة و الإلياذة كان من أول أشكال التوثيق الشفاهي و ذلك قبل تدوينهما بقرون
عديدة . و عندما ننظر إلى التوثيق في تاريخ العالم القديم نستطيع أن نلمح أهم
محطاته :
الكتابة التصويرية ، التي
اسـتوعبت تدوين الشـعر و الطـب
و المعتقدات الدينية و العلوم .
* اكتشف المصريون نحو 2500 قبل الميلاد ورق البردي ، و بذلك
أصبح من الممكن تبادل الوثائق ،
و نقل المعلومات المدونـة من
مكان إلى آخر.
* اكتشف السومريون نحو 1700 قبل الميلاد وسـيطاً آخر و هو
الكتابة على ألواح فخارية (
الرقـم ) و سـجلوا عليها بالكتابة
المسمارية تاريخهم وعلومهم و
مبادلاتهم التجارية ، وذلك بعد أن
طوروا كتابتهم التصويرية القديمة
إلى كتابة مسمارية .
* ظهرت أولى المكتبات المنظمة و المصنفة في العالم في مصر
و بلاد ما بين النهرين في الألف
الثانية قبل الميلاد .
* في القرن الثامن قبل الميلاد ظهرت في سـورية أول أبجدية فتحت
الطريق أمام الانتشار الواسع
للكتابة في العالم القديم ، و أثرت على
الأبجدية اليونانية و التي
انطلقت منها فيما بعد الأبجدية اللاتينية .
* في الفترة ( 1450- 1456 ) م أخرجت مطبعة يوحنا غوتنبرغ
أول كتاب مطبوع يتكون من 42
سطراً من الإنجيل ، مما منح
البشرية إمكانية النشر الواسع
للنصوص المكتوبة .
* في القرن التاسع عشر ظهر نظام تصنيف ديوي Melvil Dewey،
و هو أشهر و أهم نظم تصنيف
المكتبات حتى اليوم .
2- تعـريــف عـلـم الـتـوثيــق :
تختلف تعريفات علم التوثيق باختلاف النقطة
التي نرغب بالتركيز عليها ، و لعل أهم و أفضل هذه التعريفات هو :
" التوثيق هو علم السيطرة
على المعلومات " .
ذلك أن هذا التعريف ينطبق على
نظم التوثيق التقليدية . كما يستوعب الاتجاهات الحديثة لهذا العلم ، فالمعلومات
يمكن أن تتضمن جميع أشكال حاويات المعلومات بدءاً من الوثيقة و الكتاب و انتهاء بالصورة
و التسجيلات الصوتية و الفيديوية و النصوص الإلكترونية ، كما أن مفهوم السيطرة
يتضمن العمليات الفنية التقليدية كالتجميع و الاختزان و الفهرسة و التصنيف و
التكشيف ، كما يتضمن الاتجاهات الحديثة كمحركات البحث و المكانز الآلية و الفهرسة
الآلية .
3- نـظـم الـتـوثـيـق
الـتـقـلـيـديـة :
في القرن التاسع عشر بدأت
ملامح ظاهرة انفجار المعلومات بالإعلان عن نفسها ، مما دفع بالموثقين إلى استكشاف
أساليب جديدة تساعدهم في مواجهة هذه الظاهرة ، و قد كان التحذير الذي ورد على لسان
جوزيف هنري ، و هو أحد أهم العاملين في مجـال المكتبات في الولايات المتحـدة و
بريطانيا ، إذ أسهم في إنشاء 380 مكتبة في هذين البلدين ، وقد عبر عن قلقه تجاه
مستقبل التوثيق عام 1851 قائلاً :
" لقد أثبتت التقديرات أن مقدار ما ينشر سنوياً من مصادر المعلومات ،
يبلغ نحو عشرين ألفاً من المجلدات ، بما فيها النشرات ، و تعد كلها إضافة إلى رصيد
المعرفة البشرية ، و مالم ترتب هذه الكميات الضخمة بطريقة ملائمة فسوف يضل
الباحثون سبيلهم بين أكداس الإنتاج الفكري ، كما أن تل المعلومات سوف يتداعى تحت
وطأة وزنه " .
و يمكن أن نقول أن علم
التوثيق الحديث انطلق في القرن التاسع عشر، حيث شهد هذا القرن ولادة نظام ديوي
للتصنيف ، و شهد انطلاق معظم الأساليب المستخدمة فيما بعد في مجال التوثيق و وضع أسسها العلمية كالفهرسـة و التكشيف و
التحليل الموضوعي و التصنيف و الاستخـلاص ، و نوجز فيما يلي أهم الأدوات المستخدمة
في نظم التوثيق التقليدية :
* الكشافات : هي إحدى الأدوات الأساسية المستخدمة في استرجاع
المعلومات ، و تعنـى الكشافات
بتنظيم المقالات و الدراسـات
و البحوث داخل الدوريات أو الصحف
أو الكتب ، و يكون تنظيم
الكشافات إما موضوعياً أو
ألفبائياً أو زمنياً أو رقمياً .
* المستخلصات : هي
ملخصات دقيقة تبنى بصورة علمية وفقاً لقواعد
الاستخلاص التي تتوخى تضمين الملخص كل العناصر
الموجودة
في المادة الأصلية ، وتصاغ بأسلوب مشـابه
للوثيقة الأصلية مع
وصف ببليوغرافي يسهل استرجاع الوثيقة الأصلية
.
و تتنوع المستخلصات وفقاً للهدف من إنشائها
فهنالك المستخلصات
الوصفية و المستخلصات الإعـلامية و المستخلصات
الموجـزة
(التلغرافية ) .
* الأدلـة : تفيد في الوصول إلى المعلومات الجارية و المتجددة
و تعرف بأنواعها و أماكن وجودها
، و هنالك أنواع عديدة من
الأدلة نوجز أهمها فيما يلي :
- أدلة الأفراد : تعرف بالخبراء المتخصصين في مجال معين .
- أدلـة الهيئات و الجمعيات و المنظمات الدوليـة : تعرف بهـذه الجهات و أعمالها و أقسامها و مهامها و أنظمتها و خدماتها .
- أدلة الدوريات : تعرف بالدوريات و تخصصها و أماكن صدورها .
- أدلة المؤتمرات و حلقات البحث : تعرف بالندوات و غاياتها و أنواعها و أعمالها و توصياتها و البحوث الصادرة
عنها .
- أدلة المواد السمعية و البصرية: تعرف بالأشـرطة الصوتية و الفيديوية و الأفلام و الصور و الشرائح الثابتة
و الأقراص الليزرية .
* نظم التصنيف : هي إحدى الأدوات الأساسية المستخدمة في تنظيم
المكتبات و دور الأرشـيف ، و
يغلب على نظم تصنيف المكتبات
و نظم تصنيف مراكز المعلومات
الصحفيـة الطابع الموضوعي ،
الفرعية ، في حين تعتمد دور
الأرشـيف على تصنيف الوثائق
الورادة إليها وفقاً للجهة التي
أصدرتها .
* نظم الفهرسة : و هي إحدى الأدوات الأساسية المستخدمة في تنظيم
مـواد المكتبات و دورالأرشـيف ،
و تدل هذه النظم على طريقـة
وصـف أوعية المعلومات وفقاً
لقواعد علمية موضوعة سلفاً بحيث
تغطي وصف وعاء المعلومات من جميع
الجوانب الممكنة .
* المكانز : هي النظم التي تتضمن كلمات البحث الرئيسة ( الكلمات
استرجاعها و غني عن البيان أن
المكانز هي لغة مقيدة ، أي أن
الواصفات المستخـدمة في الإدخـال
يجب أن تكون هـي ذاتها
المستخدمة في الاسترجاع .
4- نـظـم الـتـوثـيــق
الحـديثـة :
لعل أول من أشار إلى ضرورة
فتح آفاق جديدة أمام نظم استرجاع المعلومات ، بشكل يتجاوز نظم التوثيق التقليدية
هو فانيفار بوش الذي كتب مقالاً عام 1945 قال فيه :
" يرجع عجزنا عن الوصول إلى الوثيقة . إلى حد بعيد إلى الافتعال و عدم الدقة في نظم التكشيف ،
فحينما توضع بيانات من أي نوع في مكان الاختزان فإنها ترتب هجائياً أو رقمياً ، و
يتم الوصول إلى المعلومات ( إذا تحقق ) بتتبعها من فرع إلى آخر"
ثم : " العقل البشـري لا يعمل بهذه الطريقة ، و
إنما يعمل بتداعي المعاني أو ترابط الأفكـار ، فهو عندما يحصل على إحـدى المواد
ينتقـل في التو و اللحظة إلى الأخرى التي اقترحها تداعي المعاني"
و بذلك يكون " فانيفار
بوش " أول من دعا إلى تجاوز نظم التوثيق التقليدية ، و إن الأفكار التي طرحها
عام 1945 ، كان لا بد أن تنتظر قبل تحقيقهـا ما يقارب نصـف قرن من الزمـن ، مع
تطويـر تقنيات البحـث و الاسترجاع و اعتماد محركات البحث و المكانز الآلية و
الشبكات العصبونية ، و مع ظهور النص الفائق (
الممنهل ) Hypertext .
و اليوم تعتمد المكتبات
الكبرى في العالم على نظم استرجاع متطورة ، و قد قامت مكتبة الكونجرس و المكتبة
البريطانية بتحويل ملايين الكتب من شكلها الورقي إلى الشكل الرقمي ، حيث أصبح
بالإمكان اليوم إجراء بحث متطور ليس فقط في عناوين الكتب و موضوعاتها و كلماتها
المفتاحيـة ، بل و من خلال البحث عن أية كلمة وردت في الكتاب .
و نوجز
فيما يلي أهم الأدوات المستخدمة في نظم التوثيق الإلكترونية الحديثة :
* محرك البحث : و هو برنامج ذكي يبحث عن الكلمات و مرادفاتها
النصوص مخزنة بشكلها الكامل فإنه
يستطيع البحث في نصوص
الملخصات ، كما تتميز بعض هذه
المحركات بذكائها و بإمكانيـة
التعلم ،أي أنها يمكن أن
تطور أساليب بحثها ذاتياً من خلال تقويم
نتائج البحث و مدى مطابقتها
و تلبيتها لحاجات المستفيد في كـل
مرة.
* المكنز الآلي : و
هو نظام ذكي يعتمد على استخراج الواصفات من
النصوص المخزنة و إقامة علاقات ترابـط فيما
بينها من العام إلى
الخاص و علاقات ترادف ، و يقوم بتطوير و تعديل
هذه العلاقات
بشكل آلي ، من خلال تقويم نتائج البحث و مدى
مطابقتها و تلبيتها
لحاجات المستفيد .
* النصوص الفائقة (
الممنهلة ) : تقوم النصوص الفائقة ( الممنهلة )
Hypertext بالإحالة
فوراً من نص يعالج موضـوع محـدد إلى
نصوص أخرى متعلقة بكلمة وردت في النص ، مما يشكل أساساً
متطوراً للمعلومات المتكاملة ، و يتطابق إلى حد بعيد مع التصور
الذي طرحه فانيفار بوش عام 1945 ، حيث أكد على الانتقال من
فكرة إلى أخرى وفقاً لتداعي المعاني ، و لكن هذا الانتقـال هنا لا
يعتمد على تداعي المعاني لدى القارىء و إنما لدى المؤلـف الذي
يتوقع أين يكمن تداعي المعاني في النص فيحيل في هذه المواقـع
أو
الكلمات إلى نصوص أخرى مترابطة مع النص الأصلي .
5- نـظــم الأرشــفـة
الـضـوئـيـة :
مع تعاظم حجم الوثائق الحكومية
المخزنة في دور الأرشيف ، أصبح من العسير الوصـول إلى هذه الوثائق دون استخـدام
الوسائل الإلكترونية ، و من الطبيعي أن الخطوة الأولى في هذا المجال هي إنشاء
قواعد معطيات لتوصيف هذه الوثائق و تسهيل الوصول إليها ، أما الخطوة الثانية فهي
ربط هذه القاعدة مع مكنز للواصفات التي تحدد بدقة الموضوعات المتعلقة بهذه الوثائق
، إلا أن الشكل الأحدث لحفظ الوثائق الورقية يتمثل دون شك في إنشاء نظام الأرشفة
الضوئية ، الذي يضمن عدم المساس بالوثيقة الأصلية ، فهو يحيل المستفيد إلى صورة
الوثيقة المخزنة في الحاسوب بسهولة وسرعة.
إلا أن النظم الأحدث للأرشفة
الضوئية تربط صورة الوثيقة بنظام التعرف على الأحرف ضوئياً OCR ، وبالتالي يستطيع المستفيد أن يشاهد صورة الوثيقة بشكلها الأصلي
مع الأختام والتواقيع ، وفي الوقت نفسه يستطيع أن يستفيد من البحث في النص الكامل
للوثيقة بعد قراءتها آلياً باستخدام نظام OCR .
6 ـ نـظـام الأرشــيـف
الـرقـمــي :
شهد العقد الأخير من القرن العشرين
تطورات كبيرة في مجال تطبيقات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مجال الإدارة ،
وبذلك أمكن تقنياً معالجة المعلومات المطلوبة و نقلها في جميع أقسام المؤسسات الرسمية
المتباعدة جغرافياً ، تماماً كما لو أن موظفي المؤسسة يعملون في مبنى واحد، وهكذا
ظهر اهتمام الأرشيفيين بحفظ واسترجاع هذه الوثائق الرسمية الإلكترونية التي تجري
ضمن بيئة إلكترونية بحتة ، وفي جزء هام من هذه الحالات دون استخدام الورق .
إلا أن نجاح
نظام الأرشيف الرقمي يتطلب عدة شروط نوجز أهمها فيما يلي :
*
لا بد أن تتوافر في النظام المنشود حماية قوية تتحكم بأي تعديل
يطرأ على الوثيقة الأصلية ، وذلك من خلال
إجراءات تحـدد
صلاحيات إنشاء الوثيقة بدقـة ، وتحتفظ بنسـخ
عن الوثيقـة
الأصلية مع معلومات عن تاريخ إنشائها والجهة
التي أنشأتها ،
كما تحتفظ بنسخ عن أية تعديلات أو إضافات تطرأ
عليها مع
تاريخ التعديل والجهة التي قامت به .
*
لا بد من حفظ جميع المعلومات المتعلقة بالسياق ، مثل علاقـة
الوثيقة بالوثائق الأخرى و الجهة التي أنشأت
الوثيقة و الفعالية
التي أنشئت فيها الوثيقة .
*
لا بد من حفظ جميع المعلومات المتعلقة ببنية الوثيقة كالتنسيق
وتسجيل استخدام المصطلحات والشكل والوسـط
والحقـول
والجداول والهوامش والفصول والأجزاء والصور
والأشكال
المتضمنة في الوثيقة .
*
لابد من حفظ المعطيات الوصفية Meta Data حول الوثيقـة
وهي المعطيات التي تبين كـيفية تسـجيل الوثيقـة
ونوعهـا
وموضوعها كما توضح خلفية الوثيقة والأجزاء
والسلاسل كما
تتضمن معلومات عن محتوى الوثيقة .
*
لا بد من الحفاظ على الوثيقة نفسها بصورة ملائمة للاستخـدام
عبر التطور التكنولوجي المتسارع ، وهذا يتطلب
نسخ الوثيقـة
من النظام القديم إلى النظام الأحدث مع
التأكيد على الحفاظ على
معلومات السياق والبنيـة والمعطيات الوصفية
دون تغيير ، بما
في ذلك شكل الوثيقة وتنسيقها الداخلي .
7 ـ الـنـظــم
الـمـتـكـامـلـة الـمـنـدمـجـة :
تتجه
نظم التوثيق الحديثة حالياً إلى نظم متكاملة تتيح للمستفيد الذي يستفسر عن موضوع
محدد ، مثلاً : إعلان الحرب العالمية الثانية ، أن يقرأ هذا الخبر من الصحف ثم
يستمع إلى التسجيل الصوتي للخبر من الإذاعة ، ثم يمكن أن يشاهد أفلاماً وثائقية
تسجيلية لأحداث بداية الحرب ، كل ذلك إلى جانب الوثائق الرسمية الصادرة عن
الحكومات التي دخلت الحرب في بدايتها ، ونظم التوثيق هذه دخلت طور العمل فعلياً
منذ عدة سنوات ، كما لا بد من التأكيد أن هذه النظم أصبحت متاحة على شبكة
المعلومات الدولية ( الانترنت ) ، وتعتمد هذه النظم محركات بحث ذكية تبحث عن
الكلمة المفتاحية ومرادفاتها ، كما تقبل في الوقت نفسه أسئلة باللغة الطبيعية
.