إصدارات النادي

 

الافتتاحية

التنسيق والتكامل بين الوطنية والقومية

 

منير القايجي

مدير إدارة مركز المعلومات والمكتبة

الأمانة العامة لجامعة الدول العربية

 

 مع الانطلاقة الجديدة للعربية 3000 بحلتها المتجددة.. كانت الدعوة للاحتفاظ بسلاح المعرفة ركنا أساسيا في بلورة الاستراتيجية التي تحدد مفاصل التحركات العربية لبناء مجتمع عربي للمعلومات قوامه العلم والمعرفة وسلاحه التضامن والتكامل..

ولأن العلم والمعرفة لا يمكن أن تتشكل صدفة أو كنتاج طبيعي لمسيرة التاريخ، فإن افتتاحية العدد الأول من المجلة المتجددة.. حددت الوعي المعرفي ضرورة حتمية لبلوغ المقاصد.. وهذا بدوره يحتاج إلى جهد جبار وعزيمة قاهرة يرافقها إرادة مخلصة وإيمان مطلق بأن على مثقفي ومفكري العالم العربي المترامي الأطراف أن يؤمنوا بأنه قد آن الأوان لأن ننطلق إلى رحاب التشكيلات الكونية المعاصرة والتي لم يعد للضعيف فيها موطئ قدم.. أو أي فرصة بالاستمرار..

إن الدعوة هذه إلى التسلح بالعلم والمعرفة.. وللأسف الشديد.. أصبحت مجرد "كليشة" جاهزة وتركيبة نمطية تتردد في كل مناسبة وتجد طريقها إلى كل الأدبيات ولكنها أضاعت سبيلها إلى واقع المعرفة ولم تتخط حروف النظرية ولم تبلغ في أفضل الحال إلى مرتبة المشروع القومي للبناء المعرفي العربي..

لن نلجأ إلى جلد الذات.. لأننا كلنا مسؤولون.. ولن نتراشق بالنظريات ولن نتهرب أو نحاول إبعاد أي شائبة عن أحد أو نوجه سهام النقد لأحد.. فلسنا أفضل من غيرنا ولسنا بموقع الحكم.. والأهم أنه ليس هذا المطلوب.. المطلوب اليوم هو قراءة هادئة لواقعنا العربي.. نستشف منها مواطن الضعف.. ونشرح جسد هذا الواقع العربي للوقوف على مواطن العلة والوهن.. علنا نستطيع أن نضع ترياقا يعيد هذه الأمة إلى سابق مجدها وعزها الذي بناه أجدادنا على قاعدة العلم والمعرفة ووحدة الكلمة وتناسق الأداء.

إن التنافس والمنافسة حق مشروع، بل أنه دائما وفي أغلب الأحيان يكون حافزا للتقدم وسببا للإبداع.. ولكن العشوائية في التنافس لا تعطي نتيجة.. على العكس .. فإنها ستعطي نتيجة عكسية عنوانها تشتت الجهود وتبخر المعرفة الحقيقية ضمن إطار من تكرار التجارب عينها بقضها وقضيضها.. بحلوها ومرها بنجاحها وفشلها.. ناهيك عن إهدار الوقت والمال..

إن الاستفادة من المعلومات.. الوجه الجديد للثروة والقوة والسلطة في عالم اليوم، تختلف طرقا واستغلالا بين مجتمع وآخر تبعا لموقعه في النسيج الكوني ورهنا بقدرته على تطويع مفردات هذه الثروة لمصلحة مخططاته التنموية بكافة تشعباتها.. ولكي يستطيع العالم العربي أن يكون مؤثرا في هذا النسيج لا بد أن نحسن استغلالنا ونرفع درجة وعينا ونحصن مجتمعاتنا من الطوفان المعلوماتي الذي رسمه الآخرون لخدمة مصالحهم.. ولا يغرنا أبدا لجوء قوى العولمة الجديدة  إلى بعض التحركات التي تشكل في ظاهرها دفعة لمجتمعات أقل درجة منها لتصور الأمر وكأنها تعامل هذه المجتمعات كشريك في هذا المجال.. فالفتات المرمي لهذه المجتمعات مثل نقل الصناعات التقليدية ونظريات الشراكة ودعم بعض السياسات الاقتصادية تهدف في الواقع إلى تمتين مواقع قوى العولمة واستغلال المجتمعات المستهدفة من خلال رخص اليد العاملة أو ضعف التشريعات الحيوية لا سيما في مجال البيئة والملكية الفكرية بالإضافة إلى تغريب الثقافات الوطنية وإغراقها في أمواج الثقافات الهجينة التي لا تعكس إلا ثقافة منتجها وتشوه ثقافة مستوردها ومتلقيها.

وهنا نطمح من خلال هذه الإصدارة وغيرها من إصدارات عالم المعلومات العربي.. أن نوجه سفينتنا باتجاه ميناء آمن يوفر لنا استمرارية البقاء.. وهذا لا يكون إلا بانتشار الوعي المعرفي والإيمان المطلق ودون مواربة بأن الاتحاد قوة وأن المعلومة قوة  .. فكيف بنا ونحن نعمل لإيجاد المعلومة العربية الموحدة.. علها تزيد من جرعات القوة التي نرنو إليها..

وهناك طريقتان لبلوغ هذا المقصد.. إما أن نسعى إلى خلق الهيكل الإقليمي على المستوى القومي العربي  الذي يضمن مقاربة موضوعية لبناء السياسات القومية لنظم المعلومات وخدماتها في الوطن العربي ويؤمن توحيدا وتقنينا لأدوات العمل العربية المستخدمة في المعالجة والاسترجاع الموحد مثل نظم التصنيف والفهرسة وقوائم الاستناد وملفات الأستاذ وغيرها .. وتعريبا موحدا لهذه النظم بما في ذلك آليات بناء القواعد الآلية وبنوك المعلومات ووضع التشريعات والقوانين الاسترشادية العربية التي توفر الغطاء القانوني والتشريعي لتبادل وانسياب المعلومات عبر الحدود السياسية .. وتحديد مصادر المعلومات العربية وفق منتجيها وتحديد أدوار كل من القطاع الحكومي والخاص ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والاتحادات والمجالس النوعية العربية.. وهذه الطريقة تتطلب توفر مظلة جامعة تتمتع بخاصية القدرة على طرح الإطار القومي كأسلوب للعمل وإلغاء العامل الوطني أو على الأقل تذليل عقباته ومشاكله بدءا من مفاهيم السيادة والخصوصية المبنية على تباين القدرة والقوة والإمكانيات والرصيد المعلوماتي واختلاف البنى التحتية بين عناصر هذا النسيج.. واستهداف تكامل الجهود وتلافي تكرار التجارب لا سيما غير الناجحة منها وتمتين أسباب وظروف الاستفادة من التجارب الناجحة.. وتعميمها للوصول إلى صورة متجانسة تؤدي دورها المنشود في إبراز العالم العربي كقوة معلوماتية تتمتع بكل الشروط الموضوعية لمقارعة العناصر المكونة للنسيج العالمي لقطاع المعلومات..

وهذه الطريقة تتطلب تخليا تكتيكيا عن الذات الوطنية لمصلحة الكيان القومي.. لأن القوة المكتسبة من الإطار القومي أشمل وأجدى من القوة المبنية على التفاصيل الوطنية وتؤمن استمرارية أفضل في الصراع من أجل البقاء في مناخ العولمة المعلوماتية..

والطريقة الأخرى تكون باعتماد الأسلوب المغاير.. أي الانطلاق من التجارب الوطنية الناجحة والعمل على تعميمها واعتمادها كنموذج قومي تلتزم الأطراف العربية باستخدامها وصولا للإطار القومي.. وهذا يتطلب منا جهدا مضاعفا يتمثل في:

-       المسح الميداني لكافة الأنشطة العربية على المستوى الإقليمي.. بهدف حصرها وتوحيدها ومن ثم تعميمها.. فالعالم العربي يزخر بالتجارب العربية الناجحة .. والدول العربية في معظمها تملك زادا وافر من التجارب التي تصلح لأن تكون نموذجا عربيا يوفر لهذا العالم العربي فرصة الانطلاق كوحدة متماسكة ومنسجمة.. فالمغرب وتونس ومصر والأردن ولبنان على سبيل المثال لا الحصر دول قطعت شوطا بعيدا في بناء بنيتها التحتية.. أنتجت الكثير مما يصلح لأن يكون جزءا من الواقع العربي الموحد في هذا المجال.. إلا أن هذه التجارب جاءت متكررة في أغلب الأحيان وأهدر الكثير من الوقت والجهد والمال على إنتاجها.. بل في بعض الأحيان جاء التكرار ليعيق نموها ويقف عقبة في طريق تطورها..

-       الإيمان المطلق بأن الانطلاق من التفكير القومي لا يشكل ظلما للواقع الوطني ولا يبخس حقه.. لأن الانتماء القومي أشمل وأعم من الانتماء الوطني.. وحركة التاريخ لطالما اعتمدت النموذج القومي سبيلا للرقي والتقدم الوطني.. خاصة وأننا نتمتع بخلاف غيرنا من الأمم بهوية قومية قوامها اللغة والتاريخ المشترك وأساسها الهوية الثقافية والامتداد الجغرافي.. بمعنى آخر امتلاك الإرادة الصادقة لتشكيل المظهر القومي بشكل جلي بعيدا عن التجاذبات الضيقة التي تفرضها تصورات الانتماء الوطني والإحساس بالغبن و/أو الشعور بالاستغلال ممن لا يملك مقدرات مشابهة أو لا يملك شيئا البتة فنيا أو ماديا .

-       الحاجة الماسة إلى المظلة الجامعة أيضا – كما في الطريقة الأولى – لتقود هذه المجموعات وفق استراتيجية موحدة تضع تفاصيلها العناصر المكونة لهذه المجموعات وتلتزم بها وتحدد آفاقها وآلياتها وتحدد مفاصل التحرك الجماعي بما يضمن منتجا متجانسا في إطار من الشفافية والوضوح..

ولو أردنا الاختيار بين هاتين الطريقتين..  لا  بد من الاعتراف بأن الطريقة الأولى لم تقدنا أبدا إلى بر الأمان رغم المحاولات المضنية على مدى عقدين ونيف من الزمن.. ورغم التجارب الوحدوية في مجال المعلومات وتقنياتها..

كما لا بد من الاعتراف بأنه ورغم امتلاك الطريقة الثانية فرصا افضل من الأولى.. إلا أنها أيضا لم تلاق نجاحا يذكر ولأسباب عديدة أهمها عدم التنسيق واستفحال روح المنافسة المبنية على تسجيل النقاط والتمسك بأحقية الريادة والقيادة المبنية تارة على القدرة المادية وتارة أخرى على امتلاك مصادر المعلومات والإنتاج الفكري.. وتارة على التميز الحضاري وتارة على خصوصيات تاريخية وغيرها.. وهذه الاستنادات أدت إلى نشوء عدد من المشاريع العربية المتشابهة و/ أو المتكررة ذات الطابع القومي اسما والوطني فعلا..

من المؤكد.. إنه لم يفت الأوان بعد، المطلوب.. ليس صعبا.. وليس مكلفا ماديا أو بعيد المنال فنيا أو تقنيا.. فالوطن العربي  كما أسلفنا.. يمتلك موحدا، الزاد والقوة والإمكانية التي لا تتوفر لعناصره متشتتةً.. فمن يملك مصدرا ما لا يملك ما يملكه شقيقه في هذا المجتمع العربي الكبير.. ولن تكتمل صورة قوته ومنعته إلا إذا تكامل مع هذا الشقيق وتقاسما توفير شروط وظروف هذه القوة..

المطلوب إذاً، أن ندعم التوجهات القومية على حساب الوطنية.. خاصة وأن المعركة شرسة.. ولا رحمة للمتخاذل فيها.. والمطلوب أيضاً الإيمان بهذا التوجه، وامتلاك الإرادة لتحقيقه.. فلنجتمع معا حول طاولة مستديرة لتدارس شؤون مجتمعنا العربي.. ولنكن جميعنا ممثلين لهويتنا القومية مع اعتزازنا بانتماءاتنا الوطنية وافتخارنا بها.. ولتكن جامعة الدول العربية – طالما هي فوق الانتماءات الوطنية – المكان الأرحب للقاء والمناقشة والاتفاق على أن نغلب انتماءنا القومي على كل ما عداه.. ونخرج بإطار عملي يضمن لنا إمكانية اللحاق بركب التطور..

فلتكن هذه دعوة من على صفحات "العربية 3000" لفتح باب جدي للنقاش حول ما يراه مثقفو الأمة العربية ومفكروها..  ولتكن هذه الكلمات دعوة لاستكتابهم حول آليات ورؤى هذا الفكر عله يكون أساسا لحلقة نقاشية تعقد قريبا تحت هذا الشعار.