|
التكنولوجيا الحديث للمعلومات والاتصالات
من خــلال "الخطــ الشاملـ للثقافــ العربي "
المقدم من طرق المنظم العربي للتربي والثقاف والعلوم (ألسكو)محمد
الصالح نابتيüإن الخطة الشاملة للثقافة العربية(1) هي إحدى الخطط أو
الاستراتيجات التي وضعتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألسكو)،
فهي أول عمل عربي، موجه إلى كل أبناء الأمة العربية على مختلف
مستوياتهم، يقر بصورة جماعية من طرف المؤتمر العام للمنظمة• وقداعتبر
المؤتمر العام للمنظمة هذه الخطة "دراسة أساسية ومبدئية شاملة يسترشد
بها في العمل الثقافي على المستوى القومي والقطري، فهي المدى القريب
والمتوسط والبعيد•
الفقرة أ من قرار وزراء العرب المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن
العربي 1985 •
فهي بهذه الصفة يمكن اعتبارها دليلاً لأي عمل عربي مستقبلي في مجال
الثقافة وفي مجالات ذات العلاقة، وهي ليست عملاً عربياً انعزالياً عن
باقي الدول الأخرى، بل هي جاءت كمساهمة من الدول العربية والمنظمة في
العقد العالمي لتنمية الثقافة، الذي أقرته اليونسكو، والذي يفترض أنه
بدأ منذ عام 1988 (الفقرة و من قرار المؤتمر)•
وقد اعتمدت الخطة منهجية العمل التعاوني، حيث اشترك في إعدادها ما يزيد
على 600 خبير ومختص من مختلف فروع الثقافة• أما من حيث المدة الزمنية
التي استغرقتها فلم تكن كافية مقارنة بالنتيجة أوالنتائج المرجوة• فقد
بدأ التفكير في إنجازها سنة 1979 بمناسبة انعقاد المؤتمر الثاني لوزراء
العرب، المسؤولين عن الشؤون الثقافية، في طرابلس، وتم عرض التقرير
النهائي والدراسات والوثائق الملحقة به، على المؤتمر نفسه في دورته
الخامسة المقامة بتونس سنة 1985 •
وتأكيداً على قيمتها الفريدة، فقد صدرت في الطبعة الأولى سنة 1986
وأعيدت طباعتها مرة ثانية سنة 1996 تحت إشراف المنظمة، بعد أن أضافت
إليها أموراً استجدت، خاصة بالتطورات العلمية والتقنيات الحديثة،
للمعلومات والإتصالات•
ولكن، وبالرغم من أن الخطة بقيت تشكل موضوعاً دائماً على جدول أعمال
المؤتمرات، إلا أنها لم تحقق الانتشار المأمول لها من طرف معدِّيها،
مما جعل المؤتمرون في دورتهم السابعة المنعقدة بالرباط سنة 1989،
يؤكدون على ضرورة إعادة الدعوة من جديد للمنظمة العربية للتربية
والثقافة والعلوم، إلى مواصلة الجهود في اتخاذ الوسائل الكفيلة بنشر
الخطة وتعميمها على أوسع نطاق•
وإن الاستراتيجية العربية الموحدة للمعلومات في عصر الاتصالات كان
العنوان المقرر من قبل الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات مركز
المعلومات العربي بسورية، للمؤتمر التاسع للاتحاد•
فالمعلومات وهي نوع من الثقافة التي أصبحت الحاجة إليها ملحة أكثر من
أي وقت مضى، خاصة ونحن نرى يوماً بعد يوم، أن المقولة المتداولة بأن
العالم أصبح >قرية صغيرة< أو عالم >الدار الواحدة< بدأت تتحقق شيئاً
فشيئاً بفضل وسائل الاتصالات الحديثة والشبكات الفضائية والأقمار
الصناعية وبنوك المعلومات(2)، وقد زاد في توطيد هذه العلاقات انتشار
الحواسيب وتعميميها واستعمالاتها المتعددة الوسائط أو (Multimedia)والتي
هي أكبر من أن تتلخص في تجميع عدة وسائط مع بعضها البعض، بل هي تعمل
على صهر هذه الوسائط بفضل المعلوماتية ونظامها الرقمي المتطور(3) فقد
مكنت الرقمية من تجاوز كل الصعوبات المقترنة بعمليةتخزين المعلومات
ونقلها•
إن المعلومات عامة، والمعلومات العلمية والتقنية خاصة، لن يتسنى لها
القيام بدورها إلا بتوافر وسائل نقلها من مكان إلى آخر، ومن شخص إلى
آخر• وتتمثل هذه الوسائل في مختلف قنوات الاتصال التقليدية منها
والحديثة•
وقد وجد العالم العربي نفسه اليوم أمام تحدٍ كبير: انفجار للمعلومات من
جهة وتقنيات اتصال متعددة ومتطورة تعمل على تنشيط نقل هذه المعلومات من
جهة أخرى وبالتالي فهو مطالب بما يلي:
أولاً: مسايرة هذه التطورات الحاصلة في كلا المجالين•
ثانياً: البحث عن طرق ووسائل تمكنه من كيفية الاستفادة من هذه التطورات،
وأخذ منها ما يلائم احتياجاته لأن احتياجات العالم العربي من المعلومات
ليست هي نفسها احتياجات العالم الغربي المنتج لهذه المعلومات ـ دون
العمل على مجابهتها أو التصدي لها، فهو ـ أي العالم العربي ـ قد توقع
حصول مثل هذه التطورات، وتوقع حصول تطورات ربما أكبر من هذه مستقبلاً،
فعنصر المفاجئة أو البغتة لم يعد له ما يبرره الآن، بفضل الدراسات
الاستشرافية، التي بدأت تأخذ مكانها ضمن اهتمامات العالم العربي، إضافة
إلى مساهمة بعض الكفاءات العربية المهاجرة في إحداث هذه التطورات خاصة
في ميدان تكنولوجيا المعلومات وفي مقدمتها تكنولوجيا الحواسيب•
مما تقدم، يمكن تناول هذا الموضوع ـ موضوع المؤتمر ـ من هذا المنظور
المستقبلي الذي وضعته >الخطةالشاملة< وخاصة إذا عرفنا أن>الخطة الشاملة<
قد حددت في القسم الثالث، بعض المجالات التي يمكن أن نعمل في إطارها
مثل:
>ضرورة مواكبة ثقافة العصر وذلك باستيعاب الثورة العلمية والتقنية< أي
أن على الدول العربية ألا تبقى في معزل عن بقية العالم فهي مطالبة
بالتعامل مع الحضارة الحديثة التي جاءت بها الثورة العلمية والتقنية،
بشرط أن تتذكر دائماً أن لها من التراث ما يجعلها في منأى وفي مأمن من
أي إنحراف إو ذوبان، وأن تتذكر أيضاً أن الثقافة العربية لم تكن أبداً
ثقافة معزولة•
فالأصالة ليست في التراث وحده، والعبودية له، كما أن العصرنة ليست في
تبني القيم الغربية والتخلي عن الماضي كله (4) >وأن التمازج الثقافي
الحضاري سمة العصر وقانونه<(5)•
كما حددت الخطة الشاملة أيضاً في القسم الرابع بعض الأركان التي يجب أن
تعتمد في النهوض بها مثل:ـ
ü تكامل الثقافة والاتصال والصناعات الثقافية
فهذا المطلب، كان وسيبقى، أحد المطالب الرئيسة التي ينشدها الوطن
العربي من محيطه إلى خليجه، لما يتضمنه من عناصر أساسية محققة لمبدأ
التكامل: الثقافة ـ الاتصال ـ الصناعة الثقافية•
وفيما يتعلق بالثقافة والصناعات الثقافية، فيمكن أن تقدم مثالاً واحداً
يخص الورق العادي كورق الصحف، وهو أحد الوسائل البسيطة التي تستخدم في
إنتاج الثقافة، فإن الوطن العربي سيحتاج منه، عند نهاية هذا القرن ـ
إلى أكثر من مليون طن(6)، فما عسانا أن نقول عن الأجهزة الإلكترونية،
وهي تمثل الآن قمة الصناعات الثقافية، وهي أساس قيام الشبكات
المعلوماتية، مع العلم أن نسبة الزيادة في مراكز الحواسيب في الدول
العربية سنة 1987 بلغت .925% يبنما المعدل السنوي في العالم هو 11%•(7)
أما عن الإتصال أو لنقل تقنيات الاتصال والإعلام، وقد أصبحت قوة
اقتصادية وثقافية واجتماعية على الصعيد الوطني والعالمي، وأخذ ينظر
إليها على أنها أحد العناصر الهامة في بناء وتنمية الهياكل الأساسية في
أي بلد ويمكن اعتبار الأقمار الصناعية العربية إحدى الخطوات الإيجابية
في هذا الإتجاه•
وقد ورد في >الخطة الشاملة< عدد من المقترحات بلغت عشرين مقترحاً كلها
تتعلق بالاتصالات ودورها في تسهيل وتيسير الاستفادة من مصادر المعلومات
المختلفة، وتماشياً مع اهتمامات هذا المؤتمر المتمثلة أساساً في كيفية
التعامل مع المعلومات المتاحة عن طريق الانترنيت على أساس أن هذه
الأخيرة وسيلة جديدة لنقل المعلومات، فإننا سنكتفي بدراسة وتحليل ثلاثة
مقترحات فقط:ـ
المقترح الأول: ويحمل رقم(8) في الخطة الشاملة يؤكد على ضرورة العمل
الفوري على وضع سياسات مستقبلية متوازنة لاستغلال الاتصال عامة، والقمر
الصناعي خاصة، والشبكات الدولية للمعلومات (الانترنيت)، فهذا المقترح
بدأ فعلاً يتجسد فلم يعد هناك قمر عربي واحد، بل أصبح العدد اثنين بفضل
إطلاق القمر الصناعي المصري نيل ـ سات، وهو إنجاز يمكن أن نضعه في
الإتجاه الذي يهدف إليه المقترح•
أما فيما يتعلق بالشبكات العالمية، أو الانترنيت، فهي تقنية جديدة لفتت
إليها في العشرية الأخيرة، أنظار جميع الدول حتى أن البعض من هذه الدول
تخلت عن وسائل أو تقنيات، كانت تستعملها إلى زمن قريب، وكانت ترى فيها
الحل لجميع مشاكلها المتعلقة بالبحث عن المعلومات، كتجربة الجزائر مع
المينيتيل (minitel)الفرنسي حيث زودت مجموعة من المكتبات الجامعية
الجزائرية بإجهزة المينيتيل وتم ربطها بالشبكة الفرنسية عن طريق مركز
المعلومات العلمي والتقني (CERIST)ü ولكن العملية لم تتواصل لعدة أسباب،
وهاهي الانترنيت تظهر وكأنها وسيلة بديلة، وكان من المفروض أن تكون
وسيلة إضافية فالجميع يبحث عن كيفية الإستفادة المثلى من خدماتها،
فالانترنيت كما سبق وأن ذكرت ـ هي تقنية تعمل على تنشيط الاتصال بين
زبائنها، عن طريق ربط الحواسيب المتواجدة في العالم، بعضها بالبعض
الآخر وبالتالي ربط مستعملي هذه الحواسيب، مع العلم أن هذا الربط أصبح
الآن ممكناً بالنسبة للدول المتقدمة• فهي أيضاً تمتلك صناعة تكنولوجيا
الاتصال وتكنولوجيا الحواسيب• أما بالنسبة للدول العربية فإن تعاملها
مع هذه الشبكة أصبح من المسلمات ومن الطبيعي جداً، ولكن الشيئ غير
الطبيعي وغير المنطقي، أن لا تساهم في إثراء هذه الشبكة بمصادر معلومات
عربية أصيلة، مما يتطلب إعادة النظر في طرق العمل نفسه، على مستوى
المكتبات ومراكز التوثيق العربية، كما يتطلب اتخاذ ترتيبات ضرورية
للاستفادة القصوى والمثلى من خدمات شبكة الانترنيت، خاصة إن هذه الشبكة
قد تخلصت من كل القيود فلم يعد أمر تسييرها بيد أحد•
أما المقترح الثاني يحمل رقم (13) في الخطة الشاملة فيتعلق بالصناعات
الثقافية وينص على ضرورة الاعتناء بها وتطويرها وخاصة الصناعة
الإلكترونية، وما يتصل بها لضمان استقلالية وسائل الاتصال، وتوزيع هذه
الصناعات بشكل متوازي بين البلاد العربية•
وقد تبادرت إلى الذهن مجموعة من الأسئلة الموضوعية مثل: أين نحن في
الوطن العربي من هذه التقنية الحضارية؟ فهذا السؤال وغيره من الأسئلة،
يطرحه كل من يتطرق لهذه النقطة الحساسة والهامة، وقد تعود كثرة هذه
الأسئلة ربما لغياب دراسات تعرف بالمستوى الذي بلغته الصناعات الثقافية
العربية في هذا الموضوع• وقد تعالج هذه النقطة من جانب آخر حيث أن
صناعة التجهيزات لا يجب أن تحصر في عمليتي التجميع والتركيب فقط أو ما
اصطلح على تسميته >بتكنولوجيا البراغي<(1) بل يجب أن تذهب إلى أبعد من
ذلك، إلى الأسس المعتمدة في صنع هذه التجهيزات، إلى غاية كيفية
استعمالها•
أماالمقترح الثالث الذي يحمل رقم (16) من >الخطة الشاملة< فيتعلق
بضرورة وجود شبكة عربية للمعلومات، فنحن نرى أن هذا الموضوع قديم وجديد
في آن واحد: قديم لأننا لم نمل من الكلام على ضرورة وجود شبكة عربية
للمعلومات تمتاز بكل المقاييس المطبقة على الشبكات في العالم، وجديد
لأن هذه الشبكة غير موجودة أصلاً وذلك لسبب بسيط جداً، لأنه لا توجد
شبكة معلومات على المستوى القطري•
فغياب شبكات ونظم وطنية للمعلومات على مستوى الأقطار العربية لا يساعد
أو لا يسهل عملية المساهمة في إثراء شبكة الانترنيت بالرصيد العربي،
إضافة إلى نقص شبكة الإتصالات السلكية واللاسلكية بين الأقطار العربية،
مما لا يساعد على التقليل من تبعيتنا، على عكس ما تصبو إليه
الإستراتيجية العربية الموحدة للمعلومات التي يريد وضعها الإتحاد
العربي للمكتبات والمعلومات•
فالخطة الشاملة للثقافة العربية موضوع الدراسة، تحتوي على عدد من
النقاط الإيجابية التي لا زالت صالحة لزمننا هذا ولمستقبلنا أيضاً
تأكيداً منا على ما نص عليه المؤتمر العام للمنظمة العربية للتربية
والثقافة والعلوم سنة 1985، كما سبقت الإشارة إليه في مقدمة هذه
المقالة، أي أنه يمكن إعادة وضع هذه النقاط من جديد على بساط البحث
ومناقشتها لاستخراج منها ما يلائم التوجهات الحالية لكل المؤسسات
العاملة في هذا المجال ونحن نعتقد جازمين أنها توجهات هادفة تخدم مصالح
المكتبات ومراكز التوثيق العربية•
إننا نهدف من مساهمتنا في بحث ومناقشة هذا الموضوع إلى الإشارة إلى
الأركان الأساسية التي اعتمدتها الخطة إطاراً لها واكتفينا بركنين فقط،
رأينا أن لهما علاقة بالمعلومات وتقنيات الاتصال وهما:
1ـ ضرورة مواكبة العصر وذلك باستيعاب الثورة العلمية والتقنية (القسم
الثالث من الخطة)•
2ـ تكامل الثقافة والإتصال والصناعات الثقافية (القسم الرابع من الخطة)
أي أن هاتين النقطتين تبقيان من أهم ما يجب عمله بالنسبة للوطن العربي،
مكانتهما ضرورية في استراتيجية عربية موحدة، تخص جانباً من الجوانب
الثقافية•
وعليه فإن كانت هناك توصيات، أو قرارات يخرج بها هذا المؤتمر فإنني
أقترح العودة إلى ما جاء في الخطة الشاملة أو مراجعتها تماشياً مع ما
يحدث من مستجدات في التطوات التكنولوجية، لم تتوقعها الخطة خاصة، إذا
علمنا أن الاتحاد يضم في صفوفه من الكفاءات العلمية العالية مما سيسهل
في عملية المراجعة على الأقل، فيما يتعلق بموضوع المعلومات والاتصالات•
المراجع
1) الخطة الشاملة العربية/المنظمة العربية للتربية والعلوم: إدارة
الثقافة ـ ط2 ـ تونس: المنظمة،1996 •
2) الإعلام العربي حاضراً ومستقبلاً/ تقرير اللجنة العربية لدراسة
قضايا الإعلام والاتصال في الوطن العربي ـ تونس: المنظمة العربية
للتربية والثقافة والعلوم، إدارة الإعلام،1987 •
3) تقنيات الإتصال الحديثة• توجهات وبحوث/ إعداد جوزيان جوال، سليغي
كوداري ترجمة صالح العسلي ـ تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة
والعلوم: إدارة الثقافة، 1993 •
4) مدخل عبد الله الحيدري ـ تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة
والعلوم: إدارة الثقافة، 1996 •
5) استراتيجية تطوير العلوم والثقافة في الوطن العربي: الوظائف والسائل/
محمد عنان وديع ـ تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم:
إدارة العلوم، 1991 •
|