إصدارات النادي

 

الافتتاحية

نحو بناء أمثل لمراكز المعلومات

 

د. عبد المجيد الرفاعي

 

 

 

أصدر النادي العربي للمعلومات في عام 1999، ولم يكن قد مضى سوى أشهر قليلة على تأسيسه، دراسة بعنوان : « نحو استراتيجية عربية للمعلومات : المبررات والركائز والتوجهات »، واليوم... بعد مرور سبع سنوات على هذه الدراسة، نرى كم نحن بحاجة فعلاً إلى رسم مثل هذه الاستراتيجية والالتزام بتطبيقها، بهدف الوصول إلى الاستثمار الأمثل لطاقات المجتمع وموارده المادية والبشرية للإسهام في عملية الانتقال إلى مجتمع المعلومات وإلى اقتصاد المعرفة.

إننا نرى اليوم، أنه بقدر ما تأكدت ضرورة الانتقال إلى مجتمع المعلومات كمسألة حيوية لا يمكن تأجيلها، فإننا ندرك أيضاً أن هذه العملية لا يمكن استكمالها بسهولة، وقد لا نستطيع استكمالها على الإطلاق، ما لم ننسق الخطوات ونضبطها بشكل منسجم يؤدي في النهاية إلى إنجاز هذه المهمة بأقل قدر ممكن من الكلفة المادية، وبأقصر زمن ممكن، فالزمن هنا يتمتع بأهمية توازي أهمية الكلفة المادية.

إن الانتقال إلى مجتمع المعلومات ممر إجباري أمام الدول العربية، وليس مسألة خيار، والمسألة اليوم هي كيف ننجز حقاً هذه المسألة بأقل كلفة ممكنة وأسرع وقت، وقد بدأت الإدارات الحكومية في معظم البلدان العربية بإدراك هذه الحقيقة، وهي تعمل اليوم على تنفيذ مشروعات عديدة تهدف إلى إنجاز هذه المهمة، ولكن المشكلة أن معظم المشروعات والخطوات تأتي دون تخطيط مسبق ودون تنسيق ضمن إطار خطة استراتيجية مدروسة بطريقة علمية، وقد نستثني بلداناً عربية قليلة من هذا التعميم، إلا أن الحالة العامة، تظهر وكأن هذه الخطوات والمشروعات منفصلة عن بعضها البعض وليس ثمة رابط يربط بينها، ونحن نعلم من قوانين الميكانيك الرياضي أنه إذا طبقنا على جسم معين عدة قوى في اتجاهات مختلفة، فإن محصلة هذه القوى ستكون أصغر من مجموعها الحسابي بل وقد تكون المحصلة في حالات معينة مساوية للصفر. بل وإن الاندفاع لتنفيذ خطوات ومشروعات عشوائية لا رابط بينها، يمكن أن يزيد الأمر سوءاً، عندما تصبح المشروعات المنفذة مجرد ديكورات خارجية لتزيين هيكل الإدارات الحكومية، دون أية نتائج حقيقية على أرض الواقع، فتتسبب بهدر المال العام دون الحصول على أية فوائد ملموسة.

ففي إحدى الدول العربية قررت الحكومة أن تشتري مكتبة بأكملها من إحدى الدول الأوربية بتجهيزاتها وكتبها وحواسبها وبرمجيات التصنيف، مع اشتراط إدخال جميع المعطيات المتعلقة بتصنيف الكتب، أي أن المكتبة لم تكن فقط مشروعاً من طراز «المفتاح باليد»، بل أكثر من ذلك، كانت من طراز «نحن نفتح لك وما عليك سوى الدخول والجلوس على كرسي المدير»، وهذا النوع من المشروعات قد ينفع للديكور الجميل، ولكنه لا ينمي مهارات العاملين وقدراتهم في هذا الحقل الأساسي، وستظل تلك المكتبة مرتبطة بالبلد الذي أمن تجهيزاتها وأدخل معطياتها، دون أن يستطيع العاملون العرب أن يديروها فعلاً بأنفسهم، بشكل مستقل تماماً عن « بلد المنشأ » .

وفي بلدان عربية أخرى يجري تأسيس مراكز للمعلومات وأخرى للدراسات والأبحاث، دون أن يُحدد لهذه المراكز وظائف حقيقية، فتكون هذه المراكز أشبه بحل يبحث عن مشكلة، فبعد التأسيس الذي يحاول تقليد ما هو موجود في الغرب، يبحث المركز لنفسه عن دور في البيئة التي تحتضنه، أي أنه لا يأتي لحل مشكلة قائمة يعاني منها مجتمع المستفيدين أو المهتمين، بل هو يأتي محاولاً التشبه بنموذج المراكز الغربية، في محاولة واضحة لإعطاء صورة توحي بتطور المؤسسة العربية، من خلال ديكور إضافي تتباهى به دون أن يكون له وظيفة حقيقية .

وليس سراً أن بعض الدول العربية تعمل على «استنساخ» مراكز محددة موجودة في الغرب، وتعبير «الاستنساخ» هنا ليس مجازياً، بل هو صورة صادقة للواقع، فهذه الدول تؤسس فروعاً لمراكز أبحاث معروفة في العالم، دون أن تستفسر عن مهام هذه المراكز وعما تستطيع أن تنجزه في بلدها، فالأهداف والمهام هنا مختلفة. ولا يخفى على أحد، أن هذه العملية غير مجدية ولكنها في الوقت نفسه مكلفة جداً، وتشكل نوعاً من هدر الموارد المادية الوطنية .

إن علينا أن نهيئ أنفسنا للانتقال إلى مجتمع المعلومات بصورة منظمة ومدروسة، تساهم في تنمية موارد المجتمع ولا تكون عبئاً عليه، ونخطئ إذ نظن أننا يمكن أن نحقق هذه المهمة في أي وقت، فكل يوم يمر يجعل الانتقال أكثر صعوبة .

وطالما أن هذه المشروعات من مكتبات ومراكز فاقدة لوظيفتها الحقيقية، فإنها بدلاً من تقديم نتائج إيجابية مفيدة تقدم لنا نتائج سلبية ضارة .

لا يعني ذلك أننا لسنا بحاجة إلى مكتبات ومراكز معلومات وأبحاث، أو أن هذه المراكز ليس لها وظائف حقيقية، ولكن آلية العمل البيروقراطية في إنشاء وتأسيس هذه المراكز تفرغ هذه العملية برمتها من مضمونها الحقيقي .

إن الحالة البيروقراطية في تأسيس مراكز جديدة هي مثل المهندس الذي يبدأ بالبناء من الطابق الأخير، وحين يصل إلى الطابق الأرضي، لا يجد الركائز المناسبة التي تدعم متانة البناء، ولذلك نشهد في كثير من الحالات بناء مراكز أو شبكات علمية وتنشيطها بقوة لفترة محددة، تعقبها فترة خمود أو تقهقر بسبب انتهاء المهمة التي جاءت لإنجازها، وبالتالي بدلاً من الحصول على فوائد حقيقية مقابل الاستثمار الذي يبذل من المال العام، نحصل على نتائج سلبية، لأن مثل هذه المشروعات تسوق أوهام اقتراب بلداننا من مجتمع المعلومات ، وهو بالتالي يخدعنا بدلاً من أن يدعنا نرى الواقع كما هو فعلاً  فنعمل على  تصحيح الخطأ و تفادي النواقص .

وفي حالات أخرى تعمل بعض المؤسسات الحكومية على إدخال تكنولوجيا المعلومات إلى اختصاص عملها، فتقوم بشراء الحواسب بسخاء ملفت للنظر، ولكنها عندما تتذكر ضرورة شراء البرمجيات اللازمة لهذه الحواسب تحرص على التقتير في الصرف وضغط النفقات فتحصل على أسوأ البرمجيات، وفي معظم الأحوال يتم بناء هذه البرمجيات دون إجراء تحليل نظم جيد أو حقيقي، وذلك بسبب اختيار الأرخص والأسرع بين العروض المقدمة، وبالنتيجة يكون اختيار البرمجيات السيئ المتسرع هو المسمار الأخير في نعش نظام أتمتة (مكننة) عمل المؤسسة، لأن البرمجيات سيئة ، والعاملون لا يجدون فيها ما يلبي مطالبهم، فيهملونها، ويعودون بكل بساطة إلى أسلوب العمل الورقي، وتبقى الحواسب مجرد أدوات لطباعة المراسلات الرسمية، ولتمضية الوقت عبر ألعاب الحاسوب، أو عبر الدخول إلى الإنترنت للدخول إلى غرفة المحادثة (شات)، أو للإطلاع على آخر الطرف والتسليات .

ولهذا المسار نتائج سلبية أخرى، فعندما يتم التركيز على اختيار البرمجيات بناء على سعرها، لا على جودتها، فإن هذا يشجع  دور البرمجيات الرخيصة، وغير المهنية، وبالتالي يسبب إحباطاً كبيراً  لدور البرمجيات المتقدمة الراقية، التي تتمتع بحظ أوفر في المنافسة خارج الحدود الوطنية .

وهنالك مشكلة أخرى شائعة في بلداننا العربية، ناتجة عن عدم التنسيق، وهي أن إحدى المؤسسات تبدأ بإنجاز مشروع ما أو دراسة أو بحث معين، دون أن تعلم أن ما تقوم به، تم إنجازه فعلاً سابقاً، أو أن مؤسسة عربية أخرى تعمل عليه حالياً، وهكذا تتراكب الجهود وتتبعثر، ويضيع الوقت والجهد والمال في أعمال مكررة دون أية إضافة حقيقية مفيدة للجهة التي تنتج المشروع أو البحث.

ولذلك نعتقد أن ثمة ضرورة لانتشار وتوسيع مراكز المعلومات والدراسات وفقاً للقطاعات التي تخدمها، وكذلك أن تجري عمليات تشبيك واسعة، بين مختلف مراكز المعلومات والدراسات في الوطن العربي التي تخدم القطاعات نفسها كخطوة ضرورية من خطوات التنسيق والتعاون وتفادي تكرار العمل والجهد وهدر الوقت والمال .

ولذلك نقول أن النوايا الحسنة في بعض الأحيان، أي نوايا الإسهام في الانتقال إلى مجتمع المعلومات، دون أن تترافق هذه النوايا مع منهج واضح وخطة منسجمة، فإنها ستكون أقرب الطرق إلى جهنم هدر المال العام .

هذه الصورة التي نقدمها هنا لا تعني أن جميع الدول العربية تعمل بهذه الطريقة، فهناك استثناءات لهذه القاعدة، وهناك دول تتعامل بكل جدية مع مسألة بناء استراتيجية وطنية للمعلومات وتكنولوجيا المعلومات، وهذه الدول تربط هذه الاستراتيجية بالخطة الوطنية للتطور الاقتصادي العام، أي أنها توظفها تماماً في خدمة التنمية الوطنية.

ومن هنا فإننا نعتقد أنه لا بد لكل مشروع بناء مكتبة أو مركز معلومات أو مركز دراسات جديد، من أن يأتي لتلبية حاجة موجودة فعلاً وضمن إطار خطة عامة تترابط أجزاؤها ووظائفها بشكل منسجم وتكون هذه الخطة وعناصرها ككل في خدمة الخطة الإستراتيجية العامة للتنمية.