إصدارات النادي

 

الثورة اليمنية في الإنتاج الفكري اليمني

دراسة ببليومترية تحليلية إحصائية

للكتب التي صدرت عن الثورة خلال أربعين عاماَ

(1962-2002م)

د . عبــد الله علــي الفضلـــــــي

أستاذ المكتبات وعلم المعلومات المساعد

بكلية الآداب – جامعة صنعاء

 
مستخلص

تبدأ الدراسة بتناول مصادر الحصول على مفردات الإنتاج الفكرى المنشور عن الثورة اليمنية، ثم تركز على التوزيع الزمنى للإنتاج الفكرى، والتوزيع الموضوعى له، والتشتت الجغرافى للكتب المنشورة عن الثورة اليمنية، وسمات وخصائص المؤلفين الذين اشتركوا فى الكتابة عن الثورة اليمنية، وسمات وخصائص الكتب المنشورة وإنتاجية المؤلفين وإنتاجية الناشرين.

 

مشكلة البحث:

لقد مضى على قيام الثورة اليمنية أربعون خريفاً منذ اندلاع شرارتها الأولى في مساء يوم الخميس الـ26 من سبتمبر عام 1962م. وعلى الرغم أن قيام الثورة في اليمن في ذلك الوقت كان حدثاً تاريخياً بارزاً هز كل أرجاء الجزيرة العربية والعالم العربي ودارت حولها الكثير من التكهنات والأقاويل والمزاعم عن نجاحها أو فشلها إلا أنها مضت واكتسحت  الألغام التي زرعت في طريقها، وقد نجحت الثورة وواصلت مسيرة البناء والتعمير والتعليم والتغيير في كل مناحي الحياة. وفي الوقت نفسه دافعت فيه عن كيانها من بقايا الحكم البائد والذين كانوا يؤيدونهم. وتصدى لقيام الثورة مجموعة من الضباط الأحرار المعروفين وغير المعروفين وكانت لهم أدوارهم ومواقفهم ونضالا تهم  وكفاحهم الطويل والذي توج بقيام الثورة. وهؤلاء قاموا بإصدار عدد من الكتب عن الثورة اليمنية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك أشخاص آخرون ادعوا لأنفسهم المساهمة في الإعداد للثورة وتفجيرها والقيام بأدوار وبطولات لم يشهد لها أحد من قادة الثورة الحقيقيين قاموا بإصدار الكتب التي تدعم شهاداتهم التي أدلوا بها وتؤكد قيامهم بأدوار وبطولات أدت إلى قيام الثورة، وهناك أيضاً عدد آخر من الضباط الذين يعتبرون من الصف الثاني من قام بإصدار كتاب أو عدد من الكتب تؤرخ للثورة اليمنية منذ الإرهاصات الأولى وحتى قيامها ولفتوا فيها الانتباه إلى الأدوار التي لعبوها سواء قبل قيام الثورة أو بعدها، وهناك من الشخصيات اليمنية البارزة من قام بإصدار كتاب أو أكثر عن تاريخ الثورة اليمنية والحركة  الوطنية التي سبقت الثورة وهي عبارة عن مذكرات شخصية   أو سير ذاتية في قالب تاريخي سجل فيها الكاتب أو الشخصية الاجتماعية مدى إسهامه في قيام الثورة وما بعدها وتقييمه الشخصي لكل الأحداث والتطورات السابقة واللاحقة.

ويمكن بلورة ما سبق في النقاط الحصرية التالية :-

1. هناك كتب صدرت عن الثورة اليمنية قام بتأليفها أو إعدادها مجموعة من الضباط الأحرار الذين اعتبروا أنفسهم أنهم قادة الثورة ومنفذوها الحقيقيين تناولوا فيها أدوارهم ومواقفهم و نضالا تهم  وكفاحهم الطويل حتى قيام الثورة وبعدها.

2. هناك كتب صدرت عن الثورة لبعض الأفراد ممن أدعو أنهم قد ساهموا في الإعداد لقيام الثورة وسجلوا فيها بعض الوقائع والأحداث  التي شاركوا فيها وشهدوها ولكن الآخرين تجاهلوا تلك الإسهامات والمشاركات؟

3. هناك كتب صدرت عن الثورة وهي عبارة عن شهادات أدلى بها مجموعة من الضباط الأحرار سواء  أكانوا من الصف الأول أو من الصف الثاني تم توثيقها عبر  مراكز البحوث والدراسات.

4.  هناك كتب صدرت عن الثورة لكُتاب سياسيين ومؤرخين ومراقبين وصحافيين يمنيين.

5.  هناك أيضاً كتب صدرت عن الثورة اليمنية من قبل كُتاب ومؤرخين وسياسيين  وصحافيين عرب وأجانب.

كل هذا الطيف و هذا الكم من الكتب الصادرة عن الثورة  اليمنية هي كتب مشتتة زمنياً وجغرافياً ولغوياً ونوعياً ولم يتم تجميعها من أماكنها المختلفة وتحليلها ومعرفة كمها ونوعها وهي بحاجة إلى لم شتاتها وتجميعها وتنظيمها وتحليلها من كل النواحي الزمنية والموضوعية والجغرافية واللغوية بالإضافة إلى التعرف على كم ونوع هذا الإنتاج وعمل قائمة نسقيه شارحة بهذا الإنتاج وتقديم هذه القائمة منظمة ومرتبة ومصنفة للمهتمين بالثورة اليمنية وتداعياتها من الباحثين والدارسين.

تساؤلات الدراسة :-

1.       ما كم ونوع الإنتاج الفكري الصادر عن الثورة اليمنية؟

2.       ما هو التشتت الزمني لهذا الإنتاج ؟ وما هي معدلات نمو هذا الإنتاج السنوي؟

3.       من هم مؤلفو الإنتاج الفكري عن الثورة وما هي سماتهم الشخصية؟

4.       ما هي الموضوعات  الأكثر تناولاَ في هذا الإنتاج ؟

5.       ما التشتت الجغرافي لهذا الإنتاج؟

6.       من هم المؤلفون الأكثر إنتاجية عن الثورة؟

7.       ما مدى إسهام العرب والأجانب في هذا الإنتاج؟

8.      ما هي سمات هذا الإنتاج وما هي الخصائص البنيانية لهذا الإنتاج؟

أهداف البحث:

يمكن بلورة أهداف البحث في النقاط التالية :-

1.      التعرف على كم ونوع الكتب التي نشرت عن الثورة اليمنية على مدى أربعين عاما.

2.      التعرف على التشتت التوزيع الزمني لصدور هذه الكتب ومعدلات نموه.

3.      التعرف على موضوعات الكتب الصادرة عن الثورة.

4.      التعرف على التشتت الجغرافي لنشر هذه الكتب.

5.  التعرف على كم ونوع الكتب التي صدرت عن الثورة لكُتاب وسياسيين ومؤرخين من الذين لم يكن لهم علاقة بقيام الثورة (وجهات نظر مختلفة). 

وإذا كانت الكتب التي نشرت عن الثورة اليمنية قد اطلع عليها المختصون والمهتمون والقراء عامة فما الجديد الذي ستقدمه هذه الدراسة؟

وللإجابة عن هذا التساؤل نود أن نشير إلى بعض العبارات والمصطلحات التي يهتم بها علم المكتبات وعلم المعلومات كتخصص يهتم بمفردات الإنتاج الفكري في أي تخصص، فعلم المعلومات يهتم بدراسة الإنتاج الفكري المتخصص فيقوم بتجميع هذا الإنتاج وحصره ولم شتاته من الأماكن المختلفة ومن ثم تنظيم هذا الإنتاج وفرزه وتصنيفه ودراسة خصائصه وسماته وحصره في قائمة نسقيه أو معيارية أو قائمة شاملة وإتاحة هذه القائمة للباحثين والدارسين والمهتمين للإفادة منه وذلك بالطرق التقليدية أو بالطرق الآلية.

إن مهمة المتخصصين في علم المعلومات والمكتبات هي تتبع مفردات الإنتاج الفكري المنشور عن أي موضوع وضبط هذا الإنتاج وتنظيمه واختزانه ومن ثم تمكين الباحثين والدارسين من الإطلاع عليه منظماً وميسراً. فإذا كان المؤلفون والكُتاب والصحفيون قد كتبوا ما يعرفونه عن الثورة اليمنية وأرخوا لها منذ أن نشأت الحركة الوطنية في الثلاثينات وحتى عام 2002م ومن ثم نشروا هذا الإنتاج وتوزع على المكتبات ومراكز المعلومات بمجرد صدوره.. . فهذا دور قاموا به وإلى هنا تنتهي مهمة المؤلف والمؤرخ والكاتب، وهنا تبدأ مهمة المكتبي حيث يقوم بتجميع هذا الإنتاج وحصره وتحليله ورصده وتنظيمه واختزانه وعمل قوائم متخصصة بهذا الإنتاج وتقديمه للمستفيدين، وهذا هو الجديد في هذا البحث وما سوف يتبع من إجراءات ومقارنات وتحليلات. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية  فبالإضافة  إلى دراسة ما سبق تناوله في الفقرات السابقة، فإن الباحث سيقوم بتحليل هذا الإنتاج تحليلاً كمياً ونوعياً وزمنياً وجغرافياً ولغوياً وموضوعياً. مستعيناً في ذلك بالدراسات الببليومترية وقوانينها باستخدام الطرق والأساليب الإحصائية والرياضية لقياس كم ونوع هذا الإنتاج للوصول إلى نتائج تعميمية للتعرف على الخصائص والسمات الأساسية لهذا الإنتاج واتجاهاته الكمية والعددية والموضوعية وسمات مؤلفي هذا الإنتاج. كما يهدف هذا البحث إلى محاولة التعرف على الخصائص الكمية والكيفية للإنتاج الفكري اليمني المنشور عن الثورة اليمنية كما يهدف إلى محاولة إلقاء الضوء والتعرف على إمكانات المؤلفين في إثراء موضوع  الدراسة بالنقد والتحليل ومدى الصدق والإيجابية في التناول وعدم التحيز.

وستكشف الدراسة عن معدلات نمو هذا الإنتاج بالإضافة إلى تقييم هذا الإنتاج من وجهة نظر المستفيدين منه من الباحثين والدارسين. 

أهمية البحث :

تكمن أهمية هذا البحث في كونه أول دراسة منهجية تتناول هذا الجانب تناولاً أكاديمياً من خلال التحليل الإحصائي للكتب الصادرة عن الثورة للجوانب الزمنية والموضوعية والجغرافية و تقديم هذه الدراسة للباحثين والدارسين والأكاديميين والمهتمين بدراسة تاريخ الثورة اليمنية.

 حدود الدراسة :.

أ-  الحدود الزمنية :- تتناول هذه الدراسة الكتب الصادرة عن الثورة اليمنية منذ قيامها عام 1962م حتى نهاية عام 2002م أي أنها ستغطي فترة زمنية مداها أربعين عاماً.

ب- الحدود الموضوعية :- ستغطي الدراسة كل الموضوعات التي تم معالجتها في الكتب المنشورة عن الثورة اليمنية.

جـ- الحدود اللغوية :- تتناول الدراسة الكتب المنشورة عن الثورة باللغة العربية والكتب الصادرة باللغات الأخرى أو التي ترجمت إلى اللغة العربية.

د- الحدود الجغرافية :- تغطي الدراسة الكتب التي صدرت داخل القطر اليمني والمنشورة خارجه في الدول الأخرى.

المنهج وأدواته :-

تتوسل هذه الدراسة بمنهج الدراسات الببليومترية (الببليومتريقا) أو القياسات الوراقية (الببليوجرافية)  وهي منهج أو أداة تنصب على التحليل الكمي لخصائص المعرفة المسجلة والسلوكيات المرتبطة بها، وهي تتوسل لذلك ببعض الأساليب الرياضية والإحصائية التي تستخدم في تحليل الإنتاج الفكري المتخصص لتحديد الخصائص البنيانية لهذا الإنتاج، ويقصد بالخصائص  البنيانية هنا مقومات نظام الاتصال في المجتمع العلمي، أي ما يقوم عليه بنيان المجتمع العلمي من أنشطة أساسية تتصل بالتأليف والنشر والاستخدام وذلك من خلال تمثيل الأعمال العلمية و إخراجها في شكل رسوم أو جداول إحصائية    أو أساليب رياضية تلخص لنا نتائج هذه المؤلفات. وباختصار فإن القياسات الوراقية (الببليوجرافية ) تعني بقياس خصائص قنوات الاتصال الوثائقي قياساً كمياً وتحليلها وتفسيرها بهدف الكشف عن الخصائص البنيانية للإنتاج الفكري المتخصص وتطور النشاط العلمي الخاص بهذا الإنتاج وكتابة التاريخ العلمي لهذا النشاط(1).

إن هذا الكشف لخصائص الإنتاج الفكري لا يتطلب دراسة نصوص هذا الإنتاج  أو التعرض لقراءة المفردات ذاتها وعمل تحليل مضمون أو تحليل محتوى لها، ولكن كل ما يتطلبه الأمر هو ما نترجمه من أنشطة الاتصال العلمي في مرحلة التوثيق والتنظيم الببليوجرافي على شكل بيانات ببليوجرافية (وراقية)  قابلة للقياس والإحصاء والتحليل. ولعلنا نلاحظ أن مصطلح القياسات الببليوجرافية (الوراقية) (Bibliometrics).  نابع من مصطلح الوراقة (Bibliography)  ولكن الفرق بين القائمين بالعملين هو أن (الوراقين)  يقومون بمهام التعريف بالإنتاج الفكري فيما يقوم رجال القياسات الوراقية بتحديد خصائص هذا الإنتاج(2). لذلك وعلى ضوء ما سبق فإن الببليومتريقا أو القياسات الوراقية (الببليوجرافية)  تدرس ما وراء الوراقة أي ما وراء التعريف بالإنتاج الفكري. فتدرس المؤلفات بعد صدورها وتقوم بتحليلها وتفسيرها. وقد فرضت بنية هذا البحث ومجاله اتباع أكثر من منهج فعند دراسة التوزيعات العددية والنوعية للإنتاج الفكري الصادر عن الثورة كان اتباع منهج القياسات الببليومترية حيث تتوسل هذه الدراسة بالمنهج الكمي أو التحليل الإحصائي للإنتاج الفكري، وتطبيق القوانين الامبريقية (Emperical Laws).  مثل قانون براد فورد للتشتت (Bradford's Law of scattering )  (3)  ، وقد استخدم الباحث المنهج الوصفي في دراسته الإحصائية التحليلية (الببليو مترية) للإنتاج الفكري المنشور عن الثورة اليمنية بوصفه المنهج الأنسب لإجراء مثل هذه الدراسة الببليومترية التي تهدف الى رصد حركة النشر للإنتاج الفكري وتحليل جوانبه المختلفة اعتمادا على جمع البيانات وتحليلها وتفسيرها لاستخلاص دلالاتها حيث تضمنت الدراسة الجمع بين المنهجين الكمي والكيفي عن طريق جمع الإصدارات المختلفة التي نشرها المؤلفون، وقد عرف بريتشارد الدراسة الببليومترية بأنها استخدام الطرق الرياضية والأساليب الإحصائية في تحليل الإنتاج الفكري وإلقاء الضوء على عمليات الاتصالات المكتوبة وعلى طبيعة مسار التطور الذي سار فيه أي موضوع من موضوعات الإنتاج الفكري المتخصص أو فرع من فروعه (4) ، وهناك تعريف آخر للدراسة الببليومترية أورده (فيرثورن) أنها المعالجة الكمية لخصائص المواد(المطبوعات)  وما يتصل بها من سلوكيات.أما ريزج(Raisig)  فيعرف الدراسة الببليومترية بأنها تجميع وتفسير الإحصائيات المختلفة المتعلقة بالكتب والدوريات لبيان التطورات التاريخية لهذه المواد.

وفي تعريف حديث يرى هوكنز (Hawkins)  بأن الببليومتركس هي التحليلات الكمية للسمات الببليوجرافية لمجموعة الأدبيات وهذا هو الإصطلاح الذي أصبح متعارفاً عليه حالياً بين الباحثين(5).  

مصادر الحصول على مفردات الإنتاج الفكري المنشور عن الثورة اليمنية :

يعتبر هذا البحث من الدراسات التحليلية الوصفية التي تعتمد على جمع البيانات وتحليلها ثم استخلاص النتائج وهذا المنهج يختلف عن الدراسات التي تعتمد على استيفاء المعلومات من المراجع وهذا لا يعني عدم الاستفادة من المراجع الضرورية ولكن في حدود ضيقة وفي هذا الصدد تم ما يلي:

قامت هذه الدراسة أساساً على بناء قائمة ببليوجرافية تم فيها حصر ما استطاعت الدراسة الحصول عليه من مفردات الإنتاج الفكري المنشور عن الثورة وفي حدود ما صادفه الباحث عن هذا الإنتاج بلغ عدد مفرداته 132 مصدراً أي بنسبة 98% من الكتب المنشورة عن الثورة اليمنية ولم يستطع الباحث الوصول إلى أماكن تواجد نسبة إلـ2% من الكتب المفقودة.

وقد تم الاعتماد في إعداد القائمة على مجموعة من الأدلة والفهارس الخاصة  بكل من:

-       فهرس مكتبة مركز البحوث والدراسات اليمني.

-       فهرس مكتبة جامعة صنعاء المركزية.

-       فهرس المكتبة الوطنية في عدن.

-   الرصد والحصر المباشر للكتب المنشورة والموجودة لدى باعة الكتب (المكتبات التجارية) الموجودة في العاصمة صنعاء، وكان فهرس مكتبة مركز الدراسات والبحوث هو أغنى المصادر باعتبار المركز أحد الجهات الرسمية التي تهتم بالإنتاج الفكري الصادر عن الثورة اليمنية وتوثيقه.

ثورة  26 سبتمبر 1962م، لماذا قامت ؟

تمهيد تاريخي :

سوف نستهل هذا التمهيد بعدد من التساؤلات كمدخل لهذا البحث لعلها تساعدنا في الولوج إلى صميم الموضوع الذي نحن بصدده دون مشقة وبصورة مباشرة.

-       لماذا قامت الثورة اليمنية عام 1962م.

-   هل كان قيامها ضرورة إنسانية أم ضرورة شعبية أم أنها قد جاءت كضرورة عصرية فرضتها الأحداث والتطورات في العالم؟

-   ما هي أهم المآخذ والمثالب التي كان يمارسها النظام الملكي ولم يستجب للمتغيرات وبالتالي اتخذها من خططوا وقاموا بالثورة كنقطة انطلاق للقيام بالثورة ؟

-   ما هي الآراء والأفكار ووجهات النظر المختلفة التي تم تدوينها ونشرها من قبل العرب والأجانب الذين زاروا اليمن في العهد الإمامي المظلم وهل تطابقت رؤاهم مع أفكار حركة الأحرار في اليمن ؟وسوف تحاول الدراسة والأسطر القادمة الإجابة عن هذه التساؤلات بشيء من الإيجاز.

يمضي نهر الزمن ولا يعود ولا يتكرر، لكن انعكاساته وتأثيراته تظل موجودة ومستمرة ومع الزمن يمضي التاريخ، والتاريخ لا يعيد نفسه كالزمن تماماً لأنهما متلازمان وثيقا الصلة ببعضهما لا ينفصلان أو يفترقان ، وإن كان الثاني أكثر حضوراًَ من الأول وأكثر خضوعاً لأعادة النظر والمراجعة عندما يجد من يلتقط له صوراً محدده ترصد ما في الحياة من جهد وما في الزمن من معنى(6). وفي هذا البحث سوف نلتقط للتاريخ صورة ً محددة نرصد من خلالها بعض الآراء والأفكار عن سنوات زمنية تم احتسابها من عمر الشعب اليمني حتى ولد اليمن مجده سنة 1962م، ولاشك أن تقليب صفحات الماضي القريب من تاريخ هذا الوطن ومحاولة الاقتراب بين حين وآخر من السنوات الأولى للثورة اليمنية أمر مطلوب وعلى جانب كبير من الأهمية لا سيما حين يتسم هذا التقليب وهذا الاقتراب بوعي كامل(7).

لقد اتفقت الآراء والأفكار وتطابقت وجهات نظر كل من زار اليمن وعايش ولمس عن قرب ما كان يعانيه الشعب اليمني إبان حكم الإمامة المظلم مع كل وجهات نظر الأحرار اليمنيين الذين ظلوا لسنوات طويلة يسدون النصح والمواعظ للحكم الإمامي المستبد في التغيير واستحداث كل ما من شأنه إخراج الشعب اليمني من عزلته عن العالم حيث اتفق الجميع على أن الشعب اليمني في حاجة ماسة إلى قيام ثورة تحررية تقتلع جذور الحكم الإمامي واستبداله بنظام جمهوري يحقق لهذا الشعب كل الآمال والتطلعات التي كانوا يرنون إليها من خلال مشاركة الشعب في الحكم والبناء والتعمير والتعليم الذي كان كل ذلك حكراً على أسرة واحدة هي أسرة نظام الحكم الملكي وكان الشعب مغيباً عن أي مشاركة في الحكم، حيث كانت المملكة المتوكلية اليمنية تعيش في عزلة تقليدية منذ قيامها بعد الحرب العالمية الأولى واستقلال اليمن عن الحكم التركي وبداية حكم الإمامة فعاشت بعيدةً عن التيارات الحضارية والسياسية العالمية رغم ظهورها على المسرح الدولي والعربي في فترات زمنية متباعدة. وإلى جانب ذلك اشتهرت تلك المملكة بالتخلف والجمود وتعيش في حالة بدائية متأخرة رغم أهميتها الاستراتيجية والتاريخية وثرواتها الطبيعية(8).

وعلى عكس حالة الشعب اليمني البائسة فإن القصور المتعددة التي كان يعيش فيها الإمام المعروف (بالطاغية أحمد)  كانت عبارة عن قصور ومتاحف تدل على رفاهية ملك، يعيش شعبه في بؤس وحرمان، وما اضخم تلك السلاسل التي كانت تكبل المساجين وما أرهب تلك الصور حيث تتطاير السيوف الكبيرة والملطخة بدماء الشهداء وقد حاول متحررون يمنيون تخليص الشعب اليمني من هذا الطاغية بين عامي (1955،1948م) وفشلوا في ذلك إلا أن محاولة اغتيال الإمام عام 1961م هي التي أدت إلى وفاته وقيام الثورة عام 1962م(9)، ولقد كان الإمام يستعرض حرسه الخاص أسبوعياً في صنعاء ، ولم يكن ذلك الاستعراض أمام المشاهدين الأجانب إلا مجرد رواية تمثيلية ساخرة، وكان يتم استعراض الجنود وبعض الضباط بطريقة عشوائية وبموسيقى ممسوخة غير مفهومه وهم يلبسون أزياء متعددة وكان معظم من يتم استعراضهم حفاةً (10)، وكان المجندون يظلون في الخدمة مدى الحياة، فإذا رغب أحدهم أن يتخلص من الخدمة لا يتم تسريحه إلا بعد مواجهة الكثير من المصاعب والمشاق وكان من أهمها :إذا فقد طرفاً من أطرافه، أو من مرض مزمن لا شفاء منه، أو القيام بإيجاد البديل عنه بشراء مجند جديد على نفقته وتحت ضمانته وأسرته أو يتظاهر بالجنون إذا لم يستطع عمل أي شيء(11)، وكان الحكم الإمامي يختار الضباط بعناية خاصة سواء عن طريق العلماء الذين سخرهم لخدمته أو من خلال مشائخ القبائل وكبار ملاك الأراضي الموثوق بهم ولا يسمح لبقية فئات الشعب للعمل كضباط في الجيش إلا من فئات معينه يرضى عنها الإمام(12)، وكان يصعب الدخول إلى اليمن المغلقة لأي أجنبي وإذا غامر وصمم على الدخول فعليه أن يواجه الكثير من المتاعب حتى ولو كان الدخول عبر الطرق الرسمية …وقد وصلت إلى ميناء الحديدة من بور سعيد ولم يسمح لي عامل الإمام حتى بالدخول الى المدينة فما بالكم بالسفر إلى صنعاء، ولقد انتظرت في الحديدة طويلاً حتى أُذن لي بالسفر إلى صنعاء بناء على تعليمات من الإمام، وكان عليَ أن أؤمن لهذا السفر البغال والمؤن لرحلتي التي استغرقت ثمانية أيام إلى صنعاء وقد زودني عامل الإمام بجنديين لحراستي أثناء رحلتي والتأكد من وصولي إلى العاصمة وهما لمراقبتي وليس لحمايتي وذلك لتقديم فروض الاحترام للإمام كعادة شملت كل الأجانب الذين يزورون اليمن(13)، وقد ظل الإمام يسألني عن مغزى زيارتي لليمن وكم من الوقت سألبث وما نوع المهمة التي سأقوم بدراستها ولم يسمح لي بالتجوال في اليمن وحذرني بشدة من عدم أخذ تعليماته بمأخذ الجد وأنه لن يضمن لي السلامة إذا غامرت وتجولت دون الإذن أو حراسة(14).

إن أخطر ما يواجهه الجيل الجديد في بلادنا هو هبوط وعيه بالماضي البعيد القريب واقتصاره على الانطلاق من اللحظات الراهنة، لأن هذا الجيل لم يحط علماً بالماضي الذي عاشه الشعب اليمني قبل قيام الثورة وخطورة ذلك النظام البغيض، كما أنه لا يستطيع مقارنة بلاده وماضيها مع ماضي وحاضر البلدان الأخرى. إن أسوأ نظام الحكم الإمامي هو الذي يغتال قدرات شعبه ويسعى الى خنق طموحاته المشروعة في الخلق والإبداع، ومحاولته المستميتة خنق رغبة الشعب الى التطور شأن بقية شعوب المنطقة واتخاذه الجمود مبدأ أو عقيدة ليسير عليه أبناء الشعب وإلا فهم خارجون عن الدين وعلى الخلافة(15)، وقد هال أحرار اليمن من الفكر المستنير وأذهلهم أن يكون مصير الإنسان اليمني هذا القدر من العنت والظلم والقهر والامتهان والاضطهاد، في الوقت الذي جعل الله من خلق الإنسان أن يكون خليفته في الأرض وأعطاه العقل للتفكير والتأمل لا الجمود وأن يعيش في سلسلة متواصلة من الأحزان والمآسي وإن تترعرع الأجيال المتعاقبة في وسط يخيم عليه الجهل والفاقة والخوف والانعزال(16). في عام 1962م ألقى الإمام الجديد محمد البدر خطاباً سياسياً بمناسبة توليه منصب الإمامة بعد وفاة والده أحمد، رسم فيه سياسته وخطواته ورؤيته لواقع اليمن وماذا سيكون عليه الحال في عهده وقد أفصح في خطابه هذا في الجامع الكبير بصنعاء بأنه سيسير على نهج أبيه وسوف يواصل سياسته بكل صورها وأشكالها بظلمها وظلامها بسلطتها وتسلطها باستبدادها وقهرها…  إن عدم ثبات سياسة البدر واضطرابها قد خلق وعكس موقفاً سياسياً سلبياً في أوساط كل القوى الوطنية التي ساءها ما جاء في خطابه ونوايا توجهه نحو الشعب.مما دفع القوى الوطنية المعارضة الى تكثيف نشاطها وهي منظمة الضباط الأحرار ودعت الى القضاء على النظام الإمامي المستبد والإطاحة برموزه طالما أنه لا أمل في التغيير نحو الأفضل(17)، ولقد نشط أنصار الأمير الحسن (وهو عم البدر) وحاولوا إزاحة الضباط الأحرار من أمامهم وتجريدهم من السلاح باعتبارهم الخطر الحقيقي في الصراع من أجل السلطة وفي هذا الصدد أصدر الإمام البدر أوامره في أول اجتماع لمجلس الوزراء برئاسته يوم 26من سبتمبر باعتقال عدد من الضباط الأحرار المتهمين بالانتماء إلى عضويه أو خلية الضباط الأحرار، وما إن سمع الضباط بهذه النوايا حتى اتخذوا قراراً بسرعة تنفيذ خطة قيام الثورة التي كان مخططاً لها في موعد آخر وكان يوم 26من سبتمبر هو يوم انطلاقة الشرارة الأولى والأخيرة لقيام الثورة اليمنية، لقد كان الإمام أحمد يوهم المعارضين له بالمروق والكفر واختصار القرآن الكريم… فتتأثر الجماهير وتعتبر المعارض للإمام خارجاً عن الإسلام وهي محاولة سهلة ويسيرة من الإمام لاتهام من يقدم له المشورة او يسدي له نصحاً وقد تخلصنا بصعوبة بالغة من هذا الطاغية –أمير المؤمنين(18). ولهذا كان قيام الثورة اليمنية عام 1962م واجباً وطنياَ وضرورة إنسانية طالما أن الإمامة المتوكلية لن تتغير عن طريق النصح أو الدعوات إلى الإصلاحات لاسيما في ظل القمع والاعتقال والإعدام لكل من يقدم على  نصح الإمام أو دعوته إلى التغيير فكان قرار قيام الثورة واستئصال شأفة النظام الملكي المظلم هو أفضل الحلول وأنجحها.


 

أولاً : التوزيع الزمني للإنتاج الفكري المنشور عن الثورة اليمنية موزعاً وفقاً لإنتاجية كل سنة

جـــدول رقــم (1)

عدد الكتب

السنة

عدد الكتب

السنة

4

1986

4

1962

3

1987

ـ

1963

4

1988

ـ

1964

3

1989

2

1965

7

1990

1

1966

2

1991

1

1967

2

1992

ـ

1968

4

1993

3

1969

3

1994

3

1970

3

1995

ـ

1971

2

1996

ـ

1972

1

1997

ـ

1973

5

1998

2

1974

ـ

1999

ـ

1975

3

2000

2

1976

5

2001

3

1977

6

2002

4

1978

 

 

4

1979

 

 

8

1980

 

 

3

1981

 

 

9

1982

 

 

7

1983

 

 

7

1984

الإجمالي:        127*

7

1985

* هناك خمسة كتب بدون تاريخ نشر معين لم تحتسب ضمن المجموع الكلي وقد تم إضافتها الى هذا المجموع ليصبح عدد الكتب 132 كتاباً.

إن الرسالة الأساسية التي تحملها ظاهرة تفجر المعلومات تفيد بأن هناك نمواً في الإنتاج الفكري من فترة الى أخرى وأن معدل النمو يتجه للتضاعف في العلوم الاجتماعية والإنسانية تقريباً بمقدار 15عاماً.  وهذا يعني أنه كلما مر عقد أو عقدان من الزمن على قيام الثورة اليمنية سيتضاعف الإنتاج الفكري نتيجة لتضاعف وتكاثر المؤلفين والباحثين والدارسين الذين سوف يتناولون الثورة اليمنية بكل أبعادها من عدة زوايا ووجهات نظر مختلفة او من خلال تناول جوانب وأفكار لم يتم تناولها من قبل وهكذا وقد ربما يصل عدد الكتب التي ستصدر عن الثورة عندما يصل عمرها خمسين عاماً إلى مئات الكتب.  ومن خلال الجدول رقم (1)  والشكل رقم (1)  نستنتج من ذلك ما يلي:  

1. بلغ عدد الكتب التي نشرت عن الثورة اليمنية والتي أمكن حصرها والحصول عليها من جميع المصادر نحو مائة واثنين وثلاثين كتاباً وهي الكتب التي نشرت وظهرت على مدى أربعين عاماً. 

2. تذبذب ظهور هذه الكتب هبوطاً وصعوداً وندرةً أحياناً.  ففي عام 1962م وهو عام قيام الثورة ظهر كتابان فقط وهما جنوب اليمن : عدن والإمارات لقحطان محمد الشعبي، واليمن الكبرى لحسين علي الويسي.

3. شهدت أعوام  1967,66,65 ظهور أربعة كتب وكان أهمها كتاب التخلف ا