|
الافتتاحية
نحو وعى متقدم
نحو تعاون أوسع وأعمق في مجال المعلومات
لو أردنا تحديد أهم ركيزتين لبناء مجتمع المعلومات، لقلنا دون تردد :
الركيزة الأولى هى الوعى المعرفى، والثانية التعاون والعمل بروح
الفريق، لأن مجتمع المعلومات نفسه، إنما ظهر كنتيجة لظاهرتين : ظاهرة
انفجار المعلومات وما نجم عنها من اعتماد أساسى متزايد على المعلومات
والمعرفة والتكنولوجيا
فى مختلف جوانب حياة المجتمع الاقتصادية والسياسية والثقافية، وظاهرة
ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مما سمح ببناء اقتصاد المعرفة
وإحداث تغييرات بنيوية عميقة فى جميع مناحى الحياة.
هاتان الظاهرتان : ثورة المعلومات وثورة الاتصالات، تجعلان الدخول إلى
مجتمع المعلومات مرهوناً باجتياز بوابتين رئيسيتين : بوابة المعرفة
والوعى المعمق ومتابعة أحدث التطورات العلمية، وبوابة التعاون والقدرة
على بناء فريق فعال ومتكامل لمواجهة المتغيرات المتسارعة فى عالم يكاد
يضاعف معلوماته العلمية كل عام، وتشكل المعرفة العلمية والتكنولوجية
أكثر من نصف قيمة إنتاجه الاقتصادى، حتى أخذ علماء الاقتصاد ينظرون إلى
المعلومات والكفاءة فى إنتاجها واستثمارها كعامل أساسى من عوامل
الإنتاج الاقتصادى ومن عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولابد أن
نشير إلى أن عالمنا اليوم يشهد ضيق المسافات الجغرافية بين البلدان
المختلفة
وتنامى التأثير المتبادل بينها، وتداخل متزايد بين مجالات المعرفة
العلمية إلى درجة استحالة إنجاز بحث علمى متخصص دون الإطلاع المعمق على
مستجدات البحث العلمى فى الحقول العلمية الأخرى، مما فرض على الباحثين
والمؤسسات العلمية والثقافية والاقتصادية ضرورة العمل بروح الفريق.
وتساهم مجلتكم "العربية 3000"
للعام
الخامس
على التوالى فى التأسيس لوعى عربى متقدم فى مجال المعلومات، وفى طرح
وتحليل ونقاش أهم القضايا والمشكلات التى يواجهها قطاع المعلومات
العربى، وبذلك تشكل "العربية 3000"
منبراً مهما يشجع الإنتاج الفكرى العربى فى مجال المعلومات، ويدعم
الإبداع العلمى ويمهد الطريق أمام بناء مجتمع المعلومات العربى.
وليس خافياً على أحد مدى حرص مجلتنا منذ تأسيسها، على أن تكون
انطلاقتها الأولى عربية شاملة لمعظم البلدان العربية بمحرريها وكتابّها
ومستشاريها وقرائها، تشجع المتخصصين العرب فى كل مكان على تبادل الآراء
والأفكار والخبرات، تمهيداً لنشوء مناخ تعاونى عربى فى مجال المعلومات،
يدعم ويشجع انطلاق مشروعات عربية مشتركة تصممها عقول عربية خبيرة،
وتنفذها أيدٍ عربية على مستوى عالٍ من المهنية فى مجال المعلومات. ذلك
أننا نعتقد جازمين أن أولى الأولويات التى يواجهها العرب فى مسيرتهم
لبناء مجتمع المعلومات العربى هى التأسيس لتعاون عربى حقيقى وفعال يثمر
عن إنجاز نتائج هامة ملموسة فى ميدان التطبيقات العلمية، وفى مجال
الإبداع والإنتاج الفكرى العربى.
استمراراً لهذه التوجهات التى التزمنا بها، يسر المجلة ويشرفها
فى العدد الأول من عامها
الخامس،
أن تصدر بإشراف مشترك وبالتعاون بين النادى العربى للمعلومات وبين مركز
المعلومات والمكتبة فى جامعة الدول العربية،
وبذلك تتوج جهود وتوجهات المجلة نحو التعاون العلمى العربى بمظلة عربية
شاملة، تمنح هذه الجهود وتلك التوجهات مصداقية وفعالية أكبر، وتفتح
أمامها آفاق الفعل والتأثير، كى تتحول إلى ورشة عمل وإبداع حقيقية
للتعاون فى الفكر والفعل والإنجاز.
وكما
عودتكم
مجلتكم "العربية 3000"،
فإنها فى انطلاقتها الجديدة اليوم، ستبذل كل جهد ممكن للارتقاء بسوية
عملها إلى مستوى المعايير الدولية فى مجال النشر العلمى، وستتصدى لأهم
وأحدث القضايا العلمية المثارة على المستويين العربى والدولى، ففى
مسيرتنا لبناء مجتمع المعلومات العربى، علينا أن نكون مستعدين لمواجهة
حجم هائل من المهام الكبرى، وعلينا أن نتصدى لحل المشكلات الناجمة عنها
بكفاءة واقتدار، وقائمة المهام والمشكلات طويلة :
§
لعل أول المهام المساهمة فى توحيد المصطلحات العلمية العربية، والبحث
فى متطلبات إغناء المحتوى الرقمى العربى على شبكة الإنترنت الدولية،
وحماية وتشجيع الإنتاج الفكرى العربى، وبناء وتطوير محركات البحث
وأدوات إدارة المحتوى الرقمى العربى، وإعادة النظر فى سلم القيم
الاجتماعية بما يخدم تعزيز التوجه نحو مجتمع المعلومات، وإقرر ميثاق
شرف عربى لأخلاق مجتمع المعلومات.
§
ستعمل المجلة على إبراز وتحليل مشكلات الفجوة الرقمية والعلمية
والتقنية التى تفصل بلادنا عن العالم المتقدم، ذلك أن هذا الموضوع يشكل
أولوية أولى فى مسيرة العرب نحو الاندماج بعصر المعلومات، ولا يخفى على
أحد أن العالم اليوم يزداد انقساماً وتباعداً بين من يعرف ومن لا يعرف،
بين من يقف فى مركز دوائر الاتصالات العالمية ويسيطر عليها، وبين من
يسبح على هوامشها ولا يملك من أمرها أو من أمره شيئاً، بين من يملك
المعلومات والتكنولوجيا وآفاق المستقبل، وبين من يعيش على ذكريات
الماضى دون بذل جهد حقيقى لتحقيق آمال المستقبل. إنها معركة لا ترحم ،
ولعلها أقسى وأصعب المعارك والحروب التى واجهها العرب حتى اليوم، ففى
هذا الميدان سيتقرر مصير مستقبلنا، وقدرتنا على احتلال الموقع الذى
يليق بالعرب على خارطة عالم الألفية الثالثة.
§
وستتابع المجلة اهتمامها الأساسى والمحورى بقضايا ومشكلات الوثائق
العربية، لأن الوثائق هى الشاهد الصادق الحقيقى الثابت على تاريخنا،
والدليل الموضوعى على واقعنا، ووسيلتنا لاستقراء المستقبل. كما أن
الاهتمام بالوثائق العربية يشكل أولوية أولى للحفاظ على الهوية العربية
فى مواجهة غزو ثقافى لا يرحم، ويهدد الحضور الثقافى فى بلدان متقدمة
كالبلدان الأوربية التى تضع الخطط الوطنية منذ أواخر القرن الماضى
للحفاظ على هوية ثقافية أوربية مشتركة.
§
وستحرص المجلة على متابعة القضايا التى تهم الموثقين فى ظل توجه
البلدان العربية للاندماج بعصر المعلومات، ذلك أن الدخول إلى مجتمع
المعلومات يطرح على الموثقين تحديات كبرى
أهمها
القدرة على التلاؤم مع التقنيات ونظم المعلومات الحديثة، وإمكانية بناء
المجموعات الأرشيفية على أسس تكنولوجية حديثة، وبناء منهجيات بحث بسيطة
وسهلة الاستخدام، ترتكز على محركات بحث باللغة الطبيعية، وتسمح بالوصول
بسرعة وسهولة ودقة إلى الوثائق المطلوبة. وكذلك لابد أن نشير إلى أهمية
حل إشكاليات الوثيقة الإلكترونية وابتكار الوسائل والأدوات و المنهجيات
اللازمة لحمايتها من التزوير والسرقة والتخريب، وكذلك حمايتها من
التقادم والإهمال بسبب التطور المتسارع للبيئة التكنولوجية التى
تحتضنها.
طموحاتنا كبيرة أمام البدء بمرحلة جديدة من إصدار مجلتكم "العربية
3000"،
ونأمل أن نستطيع تجسيدها معاً بتعاوننا جميعاً، وبعملنا كفريق عمل واحد
كتاباً ومستشارين، قراءً ومحررين.
المدير المسؤول
د.
عبد المجيد الرفاعى
|