|
الافتتاحية
التجارب العربية والحوار المطلوب
دعوة لعقد اجتماع حول الفهرس العربي الموحد
منير القايجي
مدير إدارة مركز المعلومات والمكتبة
الأمانة العامة لجامعة الدول العربية
يبدو أن قدر هذه الأمة العظيمة أن تكون دائما على تماس واضح مع
الاتجاهات الوحدوية والطموحات القومية والمسارات التعاونية لكل ما
يتعلق بالسعي إلى احتلال مكانة مرموقة على خريطة العالم اليوم..
ويبدو أيضا أن القيمين على أمور هذه الأمة قد أدركوا أن هذا العصر الذي
يموج بالمتغيرات ويحفل بالتطورات المتسارعة والمتلاحقة.. بحاجة إلى
أدوات فاعلة للسيطرة عليه .. حتى يتمكنوا من استغلاله لمصلحة
مجتمعاتهم وتصويبها باتجاه التقدم والنمو..
من هنا كانت العلاقة الجدلية بين الفهم الكامل لأهمية قطاع المعلومات
.. والإيمان المطلق بأهمية العمل التعاوني ، على قاعدة أن العمل العربي
المشترك في مجال المعلومات وتقنياتها قد يستطيع أن يوفر من الفرص أكثر
بكثير من تلك التي تتوفر لكل طرف عربي على حدة..
ولأن في التجربة ما يدعو للاعتقاد بأن هناك من لا يرى أهمية التنسيق
والتعاون بل والتكامل.. فإننا مرة أخرى مضطرون أن نسجي جسد واقعنا
العربي على طاولة التشريح لنلقي نظرة فاحصة وإن كانت مختصرة ، لنفهم
ونعتبر، لعل العبرة توفر لنا فرصا أفضل..
فالمعلومات الدولية المنشورة تؤكد أنه بالنسبة لدول العالم النامي،
ومنها دولنا العربية وبالرغم من المجهودات الكبيرة المبذولة لتعزيز
سياسات التعاون وتدعيم أركانه، اعتمادا على المنظمات والهيئات الدولية
والإقليمية الحكومية منها وغير الحكومية.. إلا أنه لا يزال هناك
الكثير من العوائق التي تقف حائلا دون تحقيق سياسة التعاون التقني بين
الدول منها:
-
التباين الفاضح في مستوى القدرات والموارد المالية والتقنية بين
البلدان العربية على امتدادها الجغرافي من المحيط إلى الخليج ومن
العراق إلى جزر القمر..
-
التباين الفاضح بين نظرة القائمين على هذا القطاع (قطاع المعلومات
وتقنياتها) إلى أهميته.. أو على الأقل أهمية التعاون.. وتوافر القناعة
لديهم بجدوى التعاون العربي العربي وفوائده.. وقد يكون لهذا التباين
خلفيته في اللاوعي العربي الذي يستند إلى محدودية التعاون العربي
العربي في مجالات أخرى أهمها السياسي والاقتصادي...
-
عدم التناسب بين القدرات البشرية والكفاءات العلمية المخصصة لهذا
القطاع وبين الحاجة الحقيقية له على امتداد الوطن العربي وحتى على
مستوى كل قطر من أقطاره.. وذلك لقصور المناهج التعليمية المتخصصة (كما
ونوعا) وضعف استراتيجيات التعليم المستمر والتدريب المتواصل وتوفره ضمن
حدود الإمكانيات المتاحة.
إن العوائق السالفة الذكر هي أهم العوائق وأكثرها تحديدا للصورة
القاتمة لواقعنا العربي.. والحق يقال.. والاعتراف واجب.. فالصورة ليست
قاتمة إلى حد السواد .. فبعد عقد ونيف من النضال المستميت لصفوة من
عالمنا العربي.. بدأت ملامح من النور والإشراقة ترتسم على هذه الصورة
وتبدد من ظلامها.. وبدأت ملامح متطورة وحديثة تتشكل في مجتمعاتنا
العربية.. وبشكل أدق في بعض مجتمعاتنا العربية.. وبدأ صوت ينطلق من
خلفية الصفوف – متجها إلى مقدمها – ينادي بضرورة التكامل والتعاون
وأهمية العمل العربي المشترك في رسم الصورة الزاهية لعالمنا العربي..
وتحقيق حلم الأجداد في بناء الشخصية العربية القوية التي أعطت العالم
المتقدم أسباب قوته.. وارتضت لنفسها أن تأخذ منه ما كان سببا لضعفها.
لقد انتشر في الوطن العربي وعلى امتداد مساحاته.. العشرات من الهيئات
والمؤسسات والأطراف التي آمنت بالعمل العربي المشترك حلا وحيدا للحداثة
والتطور.. وانطلق من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في بداية
ثمانينات القرن الماضي أولى التجارب العربية ذات البعد القومي
والإقليمي العربي لوضع أسس قومية موحدة في مجال التوثيق والمعلومات..
فكان مشروع الشبكة العربية للمعلومات محاولة لم تكتب لها فرص النجاح
والاستمرار في وضع أسس التعاون العربي العربي في هذا المجال من خلال
وضع أدوات عمل موحدة وأدلة عملية بمواصفات قياسية.. تؤمن فرصة ذهبية
لكافة موثقي الوطن العربي وأخصائي المعلومات فيه أن يتعاملوا مع أداة
موحدة ويستخدموا تقنيات موحدة .. وفق مواصفات ومقاييس موحدة أمّنتها
جامعة الدول العربية من خلال هياكلها ومنظماتها المتخصصة التي لعبت
دورا رائدا وجبارا في وضع هذا المفهوم التعاوني حيز التنفيذ.. ومن
يستطيع ألا يرى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وهي تلقي
بثقلها في تعميم ثقافة التعاون العربي في المجالات الفنية والمواصفات..
وفي تعريب وتنظيم وتوفير أدوات العمل الفنية المعيارية ..
هذا الغيض من الفيض لإنجازات جامعة الدول العربية على المستوى القومي
لم يلغ أو يحجب الضوء عن العديد من الهيئات والمنظمات الإقليمية التي
انطلقت في سعيها للتكامل من إطار أضيق بقليل من المساحة الكاملة للوطن
العربي.. فانطلقت الهيئات والمنظمات والمؤسسات شبه الإقليمية في
الخليج العربي ووادي النيل والمغرب العربي في محاولة منها لترتيب
البيت الداخلي في أقاليمها تمهيدا لتعميمه على باقي أرجاء الوطن..
ولا يمكن للناظر إلى هذه الصورة الشاملة للوطن العربي إلا أن يرى
العديد من المؤسسات القومية والعربية التي وإن لم تنتج أدوات عمل موحدة
أو تعرب أنظمة أو تضع مواصفات موحدة ومقاييس مقننة.. إلا أنها كانت على
قدر كبير من المسؤولية من خلال نضالها المستمر لتطوير الفكر التعاوني
في العالم العربي ورفع الوعي الجماهيري باتجاه تكريس التعاون والتكامل
كشرط أساسي لنجاح عمليات التنمية.. ولا يسعنا هنا إغفال الدور الذي
يلعبه الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات والفرع الإقليمي العربي
للمجلس الدولي للأرشيف والنادي العربي للمعلومات.. وطبعا الاتحادات
النوعية للمكتبات والوثائق الخاصة بكل دولة لوحدها.... والمئات من
المؤسسات الوطنية
كل هذه القوى والعناصر أسهمت ولا تزال تسهم في زيادة البقعة الزاهية
من اللوحة على حساب البقعة القاتمة.. فأصبحنا نرى على مستوى الوطن
العربي مؤسسات وطنية تطرح مشاريع قومية .. ووجدنا تكتلات وطنية تسعى
لإنجازات تطال مجمل الوطن العربي,, واستفاد قطاع المعلومات العربي في
هذه المرحلة بالذات من تضافر جهود القطاع الخاص وإمكانياته المادية
والفنية مع جهود القطاع الرسمي الحكومي أو غير الحكومي في إظهار العديد
من المنجزات التي يفتخر أي عربي بها ويتمنى تعميمها وتوسيع شعاع
امتداداتها..
إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الحسرات.. إن الاتجاه إلى المنجزات
القومية تتطلب تعاونا قوميا.. إن الإنتاج القومي لا يمكن أن يكون
قوميا إلا إذا كان يظلل الوطن العربي بمظلة موحدة متجانسة ..
إن السبب وراء الحسرة هو أننا مذ كنا على مقاعد الدراسة.. ونحن نحلم
بأدوات العمل العربية الموحدة.. حلمنا بنظام تصنيف عربي موحد يضاهي
تصنيف ديوي والتصنيف العشري العالمي .. حلمنا بقائمة رؤؤس معلومات
عربية تضاهي قائمة مكتبة الكونغرس.. حلمنا بمكنز عربي موحد يضاهي
المكانز العالمية .. حلمنا بفهرس عربي موحد.. للكتب وآخر للدوريات ..
حلمنا بتركيبة عربية مشتركة للتراسل مثل
MARC
وCCF
وطبعا.. لا يسعنا إنكار أن العديد من أحلام الدراسة قد تحقق بطريقة أو
بأخرى وإن كان الحلم ساعتئذ مختلفا عن الوقت الراهن بالنسبة للتطبيق
والإفادة..
فبدل أن نجد أداة موحدة واحدة.. وجدنا أكثر من أداة .. وبدل المشاريع
القومية الواحدة الموحدة.. أصبح لدينا العديد من المشاريع التي تسعى
إلى إنتاج موحد.. والنتيجة.. هدر للوقت.. هدر للمال.. تشتيت للجهود..
تنازع للتغطية.. الخ..
إننا من هذا المنطلق لا يسعنا إلا أن نسجل فخرنا واعتزازنا وإيماننا
المطلق بأهمية وجود فهرس عربي موحد.. يوفر مرجعا عربيا شاملا
لممتلكاته من الوثائق وأمكنتها.. ولكن.. هناك اليوم أكثر من جهة وأكثر
من مشروع يعمل على إنجاز هذا المشروع بل، وهناك بالفعل من أطلق هذا
المشروع ووضعه موضع التنفيذ، وهناك من لا يزال في المراحل الأولى من
التخطيط والتصميم.. وهناك من قطع أشواطا بعيدة في مراحل التصميم وتوفير
البنى التحتية لمشروعه.. وهناك من عمل على توفير الأدلة العملية وتعريب
أدوات العمل وهناك من عمل على توفير أسس فهرس عربي موحد في مجال
الدوريات.. وهناك من يملك نظرة شاملة لفهارس متخصصة بأوعية أخرى..
وهناك باحثون وأكاديميون يملكون رؤية ....
أين التعاون والتنسيق من هذا كله؟؟ وأين التكامل والتناغم من هذه
التجارب.. ألم تستنزف موارد قومية؟؟ ألم تسجل تجارب قومية في هذا
المجال؟؟ والتجارب عادة تحمل الفشل والنجاح.. ألم تشتت جهود مفكري
وأخصائيي المعلومات في عالمنا العربي؟؟
إن الوطن العربي يزخر بهذه التجارب التي تعيش غربتها .. فإلى متى لا
نجعل المنافسة عامل إبداع وبناء بدل أن تكون عامل تدمير وتشتيت.. دعونا
نسمع بعضنا.. دعونا نجتمع سوية.. نقول ما نشاء.. ونشرح أسبابنا ..
ونميز بعضنا عن بعض.. نسرد تجاربنا الفاشلة منها قبل الناجحة.. قد نجد
بيننا من يملك زادا يعيننا على قضاء مآربنا ويوفر علينا وقتا وجهدا
ومالا واحتمالات فشل نحن بغنى عنها..
إن إدارة مركز المعلومات والمكتبة بجامعة الدول العربية.. وبالتنسيق
والتعاون مع النادي العربي للمعلومات.. وبدعم وتوجيه من الأمين العام
المساعد / رئيس قطاع الإعلام والاتصال.. والأمين العام للجامعة.. تدعو
كافة أخصائي المعلومات العرب.. لا سيما من يملك زادا أو تجربة أو
مشروعا أو فكرة أو منجزا.. حول الفهرس العربي الموحد.. للاجتماع تحت
مظلة الجامعة العربية خلال الربع الأخير من هذه السنة لتدارس الموضوع
وتبادل الآراء وطرح الأفكار التي تغني واقعنا وتصوب مسيرتنا نحو
التكامل العربي في مجال المعلومات.. هي دعوة أولى للاجتماع في مؤتمر
أو ندوة .. أو أي صيغة للالتقاء ترونها.. ونحن جاهزون لتلقي اتصالاتكم
واقتراحاتكم حول شكل وموعد وآلية الاجتماع.. قبل الإعلان عنه رسميا
قريبا.. عل هذا اللقاء يكون فاتحا لغيره من اللقاءات التي تتناول تبادل
الآراء والتجارب العربية القومية والإقليمية في موضوعات وتخصصات أخرى.
|