إصدارات النادي

 

وقفـيـات الكــتب والمكـتبـات الفـلســطـينيـة
اشعاعة حضارية في العهد العثماني:
وقفيات بيت المقدس نموذجاً
آمنة أيوب خليل

مستخلص
يهدف البحث إلى تسليط الضوء على ظاهرة وقف المكتبات والكتب في بيت المقدس في العهد العثماني كمظهر حضاري كان يحرص عليه أهل المدينة لخدمة طلبة العلم فيها، خاصة بعد أن بدؤوا يستشعرون خطر استيلاء الأجانب على البلاد، واحتمال ضياع الكتب منها•
ستتم الإشارة لثماني وقفيات في الفترة من سنة 957هـ/ 1551م إلى سنة 1323هـ/ 1901م، من خلال عدة نقاط أهمها التعريف بمنشئي الوقف، أهدافهم، الفئات المستهدفة للإفادة منها، مهام وشروط مسؤول المكتبة، خدماتها ومصادر تمويلها، والدور الثقافي والاجتماعي لها بالاستناد إلى نصوصها•
وأخيراً بيان الأوضاع التي آلت إليها، ثم تقديم بعض التوصيات من أجل دعم المكتبات في فلسطين وتطويرها•
تمهيد
قدّر المسلمون الكتب حق قدرها منذ فجر الإسلام، فالرسول عليه الصلاة والسلام أول ما أنزل عليه من الوحي "اقرأ"، ولذا فقد وصف الكتاب بأنه قيد للعلم• وكان إقبال المسلمين على العلم مقروناً بإحلالهم الكتب منزلة عالية رفيعة في جميع أقطارهم، وعلى مدى عصورهم، خاصة بعد أن بدأ عصر التدوين في أوائل القرن الثاني الهجري، فأضيف من الكتب، كتب الحديث الشريف، وكتب التفاسير، وبعض مدونات المغازي والتاريخ•
ولم يكن المسلمون في المدينة المقدسة بمنأى عن هذا التوجه المتعلق بالاهتمام بالكتب• والكتاب لغة هو أي شيء مكتوب، وبهذا المعنى كان يشار إلى الكتب في العصور الإسلامية الأولى•
ظلت الأوقاف التي كان يقفها المسلمون من الحكام والمقتدرين والمحسنين مصدراً هاماً في الإنفاق على فقراء المسلمين والمحتاجين منهم، ومصدر تمويل للمؤسسات التعليمية والعاملين فيها من علماء ومدرسين وقائمين على خدمتها وصيانتها، ومنها المكتبات والكتب•
تعد مكتبات المساجد أولى المكتبات التي عرفتها الحضارة الإسلامية في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية، وفلسطين جزء منها، فقد كانت المصاحف تهدى إلى بيت المقدس أو توقف عليها، وتوضع فيها المسانيد وكتب الحديث، والتفاسير، إذ كانت عادة العلماء في أصقاع العالم الإسلامي إرسال نسخة من مؤلفاتهم إلى المسجد الأقصى لتحفظ في خزائنه منهم على سبيل المثال الإمام موفق الدين أحمد بن يوسف الموصللي الكواشي المفسر المتوفى سنة 568هـ/ 1281، ولا شك أن خزانة كتب المسجد الأقصى نمت مع ازدهار الحركة العلمية والتأليف حتى غدت مكتبة المسجد الأقصى من أهم المكتبات، فقد كانت تضم عدداً من المصاحف يرجع تاريخها إلى القرنين الثالث والرابع الهجريين•
وعلى قدر حرص المسلمين على إيداع المصاحف والكتب في المساجد، وتنمية مجموعاتها، كان إصرار الغزاة ممن ابتلت بهم أرض فلسطين خلال الحقبات الزمنية المختلفة، على إتلاف وحرق ونهب الكتب والمخطوطات فيها• ومن أكبر الكوارث التي تعرضت لها مكتبات فلسطين ودور كتب مساجدها كان إبان الحروب الفرنجية، والهجمة الصهيونية، حيث حول الفرنجيون المسجد الأقصى إلى سكن لقوادهم، ومستودع لذخيرتهم• وقام الصهاينة بتدمير وإتلاف ونهب كل ما وصلوا إليه من مظاهر حضارية ومنها دور الكتب والمكتبات•
بعد زوال الاحتلال الفرنجي عن البلاد عام 583هـ انتعشت الحياة الفكرية والثقافية في فلسطين، وساعد على ذلك اهتمام صلاح الدين بالعلم والعلماء ومشاركتهم مجالسهم، وقد كان له فضل إنشاء مدرسة للشافعية في القدس سميت بالمدرسة الصلاحية، وقف عليها أوقافاً كثيرة وخزانة كتب، وهناك إشارات واضحة إلى أنه حمل إلى محراب المسجد الأقصى المصاحف والختمات، ورتب لها من يقوم بخدمتها من العلماء، واستمرت مظاهر النهضة العلمية في فلسطين أيام المماليك فازدهرت معاهد العلم وراجت صناعة الكتب، وكثرت الأوقاف التي يقفها الحكام والمحسنون على المساجد، ودور العلم، والعاملين فيها، ولعل أقدمها المدرسة النصرية سنة 610هـ وبذلك تطورت المكتبات وازدهرت، وكثرت المكتبات الخاصة التي كان ينشئها رجال الفكر والعلم والأئمة والوعاظ•
ولم يكن السلاطين العثمانيون أقل اهتماماً من المماليك بهذا الأمر، فقد أوقف السلطان سليمان القانوني مصحفاً على المسجد الأقصى، وأوقف كل من سنان باشا الوزير العثماني في القرن الحادي عشر الهجري، وأنور باشا ناظر الحربية العثماني في القرن الرابع عشر الهجري المصاحف على المسجد الأقصى، وحذا حذوهم أشخاص آخرون تذكر المصادر منهم علاء الدين قرمان سنة 778هـ/ 1376م، ومحمد بن الحاج عثمان سنة 918هـ/ 1512م•
استمر ازدهار الحركة العلمية في فلسطين كجزء من الدولة العثمانية خلال القرن الأول من حكم العثمانيين، ومع بداية انحسار المد العسكري للدولة العثمانية عام 1095هـ/ 1683م على إثر ارتداد جنودها عن فيينا، بدأ ضعف الدولة الذي انعكس بدوره على أهالي الولايات، ومنها القدس، فانهارت أوضاع المدارس، وتقلص عددها لانقراض أوقافها، وعليه فقد تقلص عدد خزائن الكتب فيها، مما حدا بالعلماء أن يقفوا كتبهم على أهل العلم فيها سواء أكانوا من ذراريهم أم من غيرهم من علماء المسلمين، وعامة أهل البلد، ومن يقيم فيها• وذلك طلباً للثواب، وإحياء لدور الكتب والمكتبات في الاعتناء بأمر الدين وحفظاً للكتب من أن تتوزع بين الورثة، أوتتعرض للنهب، والبيع لتجار المخطوطات• ومن هؤلاء العلماء والفقهاء الذين عمدوا إلى إجراء يضمن بقاء الكتب في خدمة أهل العلم ومن يرغب في المطالعة في بيت المقدس كان:
1ـ الشيخ إمّتْ خليفة سنة 957هـ•
2ـ الشيخ يحيى شرف الدين بن قاضي الصلت في القرن الحادي عشر الهجري (1040هـ/ 1630م)، الحجة مؤرخة في 1007هـ•
3ـ الشيخ محمد الخليلي في القرن الثاني عشر الهجري•
4ـ الشيخ أحمد المؤقت سنة 1181هـ•
5ـ حسن الحسيني سنة 1201هـ•
6ـ محمد صنع الله الخالدي•
7ـ الشيخ محمد البديري في القرن الثالث عشر الهجري•
8ـ الشيخ راغب الخالدي في القرن الرابع عشرالهجري•
ترجمة الأعلام وفق تاريخ الوقفية
1ـ الشيخ إمّتْ خليفة: هو إمّت خليفة بن إبراهيم، من علماء القرن العاشر، وقف كتبه على نفسه، ثم على أولاده، فإذا انقرضوا آلت الكتب إلى مكتبة المدرسة الأرغونية في القدس وعددها خمسون كتاباً وفق الحجة الشرعية رقم 23 لسنة 957 ص525 في سجل المحكمة الشرعية في القدس•
2 ـ الشيخ يحيى: هو يحيى شرف الدين بن محمد الشهير بابن قاضي الصلت، كان إمام المسجد الأقصى، وكان يسكن في المدرسة الأمينية الكائنة في الرواق الشمالي لساحة الحرم، وفي الطابق الثاني من مبنى المدرسة غرفة تدعى الكتيبة، وفيها كانت كتبه التي وقفها على طلبة العلم سنة 1007هـ• توفي سنة 1040 •
3 ـ الشيخ محمد الخليلي: هو محمد بن محمد الخليلي مفتي الشافعية في القدس، ولد ونشأ في الخليل، ومارس أعمال التجارة فيها، ثم ارتحل لطلب العلم في الأزهر، وأخذ القادرية عن شيوخها، ثم جاء إلى القدس سنة 1104هـ / 1595م، وسكن المدرسة البلدية المجاورة للمسجد الأقصى، وأصبح من شيوخ الطريقة الصوفية المشهورين• حج سنة 1111هـ• كان وافر العلم والغنى• ألف في الفقه، وأجازه الشيخ عبد الغني النابلسي بعلامة البلاد المقدسية• كانت له أملاك كثيرة متفرقة وقفها وقفاً ذرياً لمنع انتقالها إلى الأجانب كما أحزنه خراب القصور المنيعة وتقلص عددها، جمع خزانة كتب علم فريدة وقفها على طلبة العلم ومن يرغب في القراءة سنة 1139هـ، فكان بذلك كما يذكر أمين مكتبة المتحف الإسلامي-الأستاذ أسطفان حنا أسطفان- "أول من حقق فكرة إيجاد دار عامة في القدس"• توفي سنة 1147هـ•
4 ـ محمد الخالدي: هو محمد صنع الله الخالدي، كان باشكاتب المحكمة الشرعية في القدس توفي سنة 1140هـ/ 1727م• كانت له مكتبة أوقفها على أولاده وأحفاده الذكور•
5 ـ الشيخ أحمد المؤقت هوالشيخ أحمد بن محمد الشهير بالمؤقت، مغربي الأصل، مقدسي الإقامة، شغل منصب مفتي الحنفية، وكان إماماً في المسجد الأقصى توفي سنة 1171هـ/ 1757م، مسجلة في السجل رقم 267 من سجلات المحكمة الشرعية في القدس•
6ـ حسن الحسيني: هو حسن بن عبد اللطيف الحسيني مفتي القدس في القرن الثالث عشر الهجري، توفي سنة 1226هـ/ 1811م• أوقف مكتبة في القدس بموجب حجة شرعية مؤرخة في سنة 1210هـ/ 1786م، مسجلة في السجل رقم 167 من سجلات المحكمة الشرعية في القدس•
7ـ الشيخ محمد البديري بن بدير: هو محمد بن محمود القدسي المتوفى سنة 1220هـ/ 1805م، كان من علماء القدس الكبار، يعرف بابن حبيس أيضاً (لقب والده)، ولد حوالي سنة 1160هـ/ 1747م، لأب ميسور الحال مما أتاح له الدراسة في الأزهر والأخذ عن مشايخ عصره، عاد إلى القدس ومكث فيها يدرس ويفتي إلى آخر عمره، وكانت له حلقات درس في المسجد الأقصى وفي خلوته•
8ـ الشيخ راغب الخالدي: هوراغب بن نعمان بن محمد علي الخالدي، والدته السيدة خديجة بنت موسى الخالدي قاضي عسكر الأناضول، ولد في القدس سنة 1866م، ودرس في الأقصى وأجازه مفتي الشافعية الشيخ أسعد أفندي الإمام والشيخ عبد القادر أبو السعود، عين عضواً في المحكمة البداية ثم عضواً في مجلس المعارف في متصرفية القدس، كان من أنصار الإصلاح والدستور، وهوأول من أعلن خبر الانقلاب العثماني على السلطان عبد الحميد في القدس• أقنع والدته بإنفاق الأموال لتأسيس مكتبة عامة في القدس فتمم إصلاح مدرسة قديمة من أملاكها في حارة باب السلسلة في القدس، وتجهيزها كمكتبة عامة جمعت فيها المخطوطات المبعثرة لدى عائلة الخالدي سنة 1900م، ووقف أمواله على المكتبة الخالدية للإنفاق عليها من ربع هذه الأملاك، ومنها الجزء الذي ورثه من حمام العين•توفي سنة 1952م•
الهدف من الوقف
توضح الوثائق المتعلقة بالكتب الأهداف التي كان يرمي إليها الواقف من وقفه، فيأتي طلب الأجر والثواب من الله في رأس قائمة الأهداف وهدف مشترك في جميع الحالات، فالشيخ يحيى ابن قاضي الصلت يطمح بأن يُمَّن اللّه عليه ويدخله الجنة "••• فهو يطمح في ادخار عمل صالح يلقى به ربه يوم الميعاد"• والشيخ الخليلي يستشهد في وقفيته بالآيات الدالة على وجود الصدقة•
وتأتي الرغبة في خدمة طلبة العلم في بيت المقدس في مقدمة الأهداف التي يرمي إليها أصحاب الوقف، وغالباً ما كان يقصد بهم طلبة العلوم الشرعية، وعلوم القرآن والتفسير• فالشيخ الخليلي يذكرنا بأنه "قصد الواقف أن تكون هذه الكتب في بيت المقدس ذخيرة ينتفع بها أهلها"•
والشيخ يحيى يشير إلى "أولاده من أهل العلم"• ويتصل بالهدف السابق الرغبة في خدمة طلاب العلم من أتباع مذهب معين، فالشيخ يحيى يجعل آخر فئة من المستفيدين من الوقف "طلبة العلم من الشافعية" وكذلك في وقفية الشيخ الخليلي حيث آخر فئة هم طلاب الزاوية المحمدية والفقهاء الشافعية، وخص الشيخ إمَّت خليفة بالوقف مكتبة المدرسة الأرغونية عند انقراض ذريته أما الرغبة في بقاء الكتب للانتفاع بها دون التصرف بها "مع بقاء عينها"، فالواقف كان يقف كتبه على نفسه أولاً طوال حياته كالشيخ إمّت خليفة، والشيخ يحيى بن قاضي الصلت، والشيخ الخليلي•
ومن الأهداف الأخرى التي تشترك فيها أكثر من وقفية،الرغبة في بقاء الكتب لانتفاع الأبناء والأحفاد بها إلى انقراض الذرية-أي بقاء الكتب في حوزة نسل الواقف أوالأقرب من عصبته• ومنهم من خص الذكور دون الإناث بالذكر كالشيخ محمد صنع الله الخالدي، والشيخ يحيى بن قاضي الصلت، شرط أن يكونوا من أهل العلم، ومنهم من لم يحدد إن كان الأولاد من الذكور أوالإناث بل اكتفى بـ "أولاده•••" مع الإشارة إلى أن تكون لديهم القابلية للعلم والقراءة، كالشيخ محمد الخليلي•
ولا يقل هدف بقاء القدس منارة علم ومحجة للعلماء أهمية عن باقي أهداف أصحاب الوقف، فالشيخ محمد الخليلي يذكر بوضوح أن أهم هدف لوقفه كتبه هوالرغبة الشديدة لديه في بقاء الكتب في مكان واحد هو بيت المقدس، لما رأى أنه يفتقر إلى الكتب لتكون هذه الكتب في خدمة أهل العلم في بيت المقدس، وللإسهام في بقاء الكتب الدينية في تلك الديار: "أراد بقاءها في هذه الديار القدسية فإن الكتب قد قل وجودها بها"•
وتشير وقفية المكتبة الخالدية بوضوح إلى أن الهدف من تأسيس ووقف "حمام العين" عليها يتمثل في أن تكون مكتبة عامة "معدّة للقراءة والمطالعة"•
ويبرز هدف الحفاظ على هوية المدينة المقدسة العربية الإسلامية في وقفية الشيخ البديري حيث اشترط في وقفيته لزاويته وكتبه فيها "أن لا تؤجر أو يسكن فيها يهودي"•
المستفيدون من الكتب وفق ما تحدده الوقفيات
تختلف فئات المستفيدين الذين تحددهم الوثائق موضوع الدراسة، فبينما نجد الشيخ يحيى مثلاً يحصر المستفيدين بالعلماء الذكور من السادة الشافعية سواءً من كانوا من صلبه أومن المسلمين،نجد أن الشيخ محمد الخليلي يبيحها لكل من فيه قابلية لعلم أو قراءة من عصبه، ثم لفقهاء الشافعية من أهل الدين والصلاح، فهم جميعاً من طلاب العلم• ويمكن ترتيب فئات المستفيدين وفق ما تشير إليه الوقفيات كالتالي:
1ـ الواقف نفسه "مدة حياته"
2ـ ولد الواقف من صلبه•
3ـ أولاد ولده، وأولاد أولادهم من الذكور•
4ـ أقرب عصبات الواقف وأولادهم، وأولاد أولادهم ماداموا يتناسلون•
5ـ أولاد الواقف من أهل العلم ـ ولعل المقصود بهم طلابه ـ إن انقرض أولاد أولاده من صلبه•
6ـ أولاد أولاده من أهل العلم وأولادهم ونسلهم وعقبهم من الذكور من أهل العلم•
7ـ إذا انقرض نسل أولاده من أهل العلم فيأتي في المرتبة التالية طلبة العلم في القدس الشريف•
8ـ كل طالب علم•
9ـ من يحب أن يقرأ أويطالع•
التسمية والمبنى
تتحدث مصادر التاريخ الإسلامي عن "دور خزائن الكتب" وفقاً للمكان الذي كانت توجد فيه الكتب، وفلسطين وبيت المقدس فيها جزء من العالم الإسلامي، ذلك أن الكتب كانت توضع في خزائن تؤخذ منها عند الحاجة لقراءتها ثم تعاد إليها• أما المصاحف فكانت توضع في صناديق خاصة صيانة لها، ولذا فإننا نجد أن لفظة خزانة أو خزائن كانت الأكثر وروداً في تسمية المكان، كما وردت لفظة "الكُتبية" في إشارة إلى الغرفة التي كانت توجد فيها الكتب في المدرسة الأمينية "في الطابق الثاني من مبنى المدرسة غرفة تدعى الكتبية"، وفي هذه الغرفة "كانت مكتبة الشيخ يحيى"• وغالباً لم ترد تسمية معينة للمكان الذي كانت تتاح فيه الكتب: كما لم يحدد المكان الذي يجب أن تحفظ فيه كتب الوقفيات للقراءة، ففي وقفية الشيخ محمد الخليلي اشترط الواقف أن تكون الكتب "في المدرسة البلدية" أو "تحت يد الناظر في مسكنه في أي مكان كان"• وهنا لا نستبعد أن تحفظ الكتب في صناديق إلى حين الحاجة إليها، شرط أن تكون قريبة من طلاب العلم• وفي وقفية البديري وضع الواقف كتبه في خلوته•أما في وقفية حمام العين على المكتبة الخالدية فقد تم تعيين مكان ومسمى المكتبة، فهي في باب السلسلة أحد أبواب الحرم الشريف والحرم قلب القدس، مما يجعل المكتبة تخدم أكبر مجموعة من الناس ومن طلبة العلم أيضاً•
ترتيب الكتب
كانت الطريقة الأكثر شيوعاً في ترتيب الكتب في المكتبات الإسلامية هي وضع الكتب مرصوصة فوق بعضها الآخر الأكبر فالأصغر، فإذا احتاج المستفيد منها كتاباً رفع ما فوقه وأخذه، وإذا ماانتهى منه أعاده إلى موضعه، أما طريقة الترتيب الرأسي فقد شوهدت في صورة فوتوغرافية لقاء المطالعة المنشورة للمكتبة الخالدية، وقد ظهر اسم ورقم الكتاب على غلاف الكتاب• وتستأثر المصاحف بذكر طريقة ترتيبها في صناديق خاصة تسمى صناديق الربعة الشريفة•
وتذكر المصادر أن ترتيب الكتب في المكتبات الإسلامية كان يتم وفق موضوعاتها وربما اختلف ترتيب الموضوعات من مكتبة لأخرى إلاّ أنها جميعاً كانت تشترك في وضع المصاحف على رأس تلك الموضوعات، تليها كتب التفسير، فالحديث والسيرة النبوية وكل ماله علاقة بالموضوعات الدينية، وكان من بين أصحاب خزائن الكتب والمشرفين عليها من يعد بأنه خبير في "تصنيفها وفق العلوم" مثل محيي الدين الرملي•
وبالرجوع إلى الوقفيات المشار إليها فإنها لا تتضمن الإشارة إلى نوع محدد من الترتيب الذي كانت عليه الكتب في هذه المكتبات إلاّ أن سرد أسماء الكتب يدل على ترتيبها وفق الموضوعات•
الفهارس
تعد الفهارس البيان الشامل لما تتضمنه المكتبات في خزائنها من مطبوعات ومخطوطات لضمان سهولة الوصول إلى مقتنيات المكتبات وقد عرفت المكتبات الإسلامية الفهارس من بداية نشأتها، حتى إن بعضها كان يعلق قوائم الكتب الموجودة لديه على باب غرفة الكتب•
وبالرجوع إلى نصوص الوقفيات نجد أن وقفية الشيخ يحيي تقدم معلومات وافية عن الكتب، فهو يذكر عنوان الكتاب، واسم المؤلف، وعدد مجلداته، وأحياناً ترد إشارة إلى موضوع الكتاب ومؤلفه دون ذكر العنوان كقوله "تفسير القاضي البيضاوي وتفسير البغوي في مجلدين"، كما وردت في بعض المواقع إشارات إلى الكتب دون ذكر لاسم مؤلفها، وفي مواقع أخرى يذكر عدد أجزاء الكتاب، ويشير إلى أن الكتاب ليس كاملاً بل جزء من كتاب إذا كان كذلك، وإذا كان الكتاب الموصوف كراريس مجموعة فهو ينبه إلى ذلك أيضاً•
وإذا انتقلنا إلى وقفية الشيخ محمد الخليلي فسنجدها أكثر ترتيباً وتنسيقاً، فقد جاء الفهرس مرتباً وفق ما عُرف لاحقاً في علم المعلومات برؤوس الموضوعات، كما نجد الفهرس أكثر ذكراً للتفاصيل المتعلقة بالكتب، فهو يذكر عدد الكتب أحياناً في الموضوع الواحد، ويشير إلى حجمها ومصدر اقتنائها مثل "من المصاحف الشريفة سبعة، واحد كبير جاء هدية من بلاد الروم" و"مصحف قطع النصف"• ويذكر الملاحظات على الكتاب كالقراءات المذكورة على المصحف، والعلاقات المميزة في إخراج الكتاب كلون الحبر والجلد مكتوبة بالمداد الأحمر"• "مصحف في قطع الكامل جلودهما حمر"، كما يذكر عنوان الكتاب، واسم المؤلف، وعدد النسخ من كل كتاب، ومكان نسخ كل نسخة منها، وينبه على الاختلاف بين النسخ "نسخة في أربعة مجلدات ونسخة في ستة مجلدات"، ويدون ملاحظاته على التأليف كقوله معلناً على كتاب في الحديث لحسام الدين الهندي بعنوان "منتخب كنز العمال كاملاً له••• انتخبه من سنة تأليف له"، ويذكر عصر المؤلف وموطنه أحياناً كقوله عن كتاب في التاريخ "جزء من تاريخ العيني وهو الموجود في هذه الديار"، كما يذكر نوع وصفة الخط "القانون ابن سينا•• بخط دقيق مطبوعاً بالطابع" "أدعية بخط مغربي"•
أما فهرس المكتبة الخالديةü فنجده أكثر تطوراً في الإخراج، وفي التنظيم من الفهرس السابق، ففي برنامج المكتبة الخالدية العمومية نجد في الصفحة رقم 13 إحصائية بعنوان "فهرست" لهذا البرنامج مقسمة إلى ثلاثة جداول الأول منها لرقم التسلسل، والثاني لاسم الفن، والثالث لعدد الكتب في كل فن، ورد فيه اثنان وثلاثون موضوعاً، وأورد عدد الكتب في كل موضوع باستثناء القرآن الكريم، ثم جاء بسردٍ لعناوين الكتب مرقمة تحت كل موضوع ترقيماً منفصلاً• ونجد في الفهرس إضافة إلى عنوان الكتاب، اسم المؤلف، إشارة تبين إن كان مطبوعاً أو مخطوطاً بجانب كل كتاب، مكان الطبع ، واسم المطبعة إن كان مطبوعاً، إضافة إلى معلومات تفصيلية أخرى لبعض الكتب فهو:
ـ يذكر سنة النسخ إذا كان الكتاب مخطوطاً "الإتقان للسيوطي خط كبير سنة 1148"
ـ يذكر سنة الطباعة إن كان مطبوعاً "النصف الأول من الكشاف للزمخشري طبع•• في سنة 1281"•
ـ يذكر مكان الطبع، كما في غزة 30 من كتب المعاني والبيان "حاشية السيد علي المطول""طبع الأستانة"•
ـ يشير إلى العناوين الأخرى للكتاب، كما في غزة 11 من كتب الأدب "مجمع البحرين وهو مقامات اليازجي" "طبع بيروت"•
ـ يصف الخط والحجم "القرآن الكريم بقطع كبير وخط بديع"
ـ يذكر لغة الكتاب كما في غزة 25 من كتب الجغرافيا والطبيعة "كيمياء معدني تركي طبع الآستانة"•
ـ يشير إلى الملاحظات الخاصة بالشكل المادي للمخطوطات، كما في غزة 41 من كتب "المعاني والبيان" حاشية على شرح المفتاح مخرومة، وفي غزة 25 من كتب التراجم "تاج التراجم لزين الدين قاسم•• نسخة خطية مخرومة من أولها"•
ـ يفرد الفهرس رقماً خاصاً للكتب المتنوعة الموضوعات المجموعة من الدشش•
ـ كما يشير إلى وجود مجموعة أخرى من الكتب لم يذكرها، ويعد بإلحاقها بالفهرس في الطبعة الثانية، مما يعني أن معدي الفهرس يراعون مواكبة التطوير للمكتبة بما يناسب شرط تأسيسها•
المسؤول عن المكتبة
عرفت المكتبات الإسلامية وظائف عدة للعاملين فيها، مع الاختلاف في المسميات الوظيفية، فمن الوظائف التي يرد ذكرها في المصادر أحياناً:
أمين المكتبة أو الخازن، مساعد أمين المكتبة، المناول، المساعد، الناسخ، والمجلد في المكتبات الكبيرة -أو في المكتبات الخاصة لفترة محددة أحياناً•
وبالرجوع إلى الوقفيات قيد الدراسة لا نجد هذه المسميات، فأحياناً ترد الإشارة إلى أن المسؤول عنها يجب اختباره من بين المستحقين للاستفادة من المكتبة، ثم أمام المسجد الأقصى، وهذا يشير إلى أن المسؤول عن المكتبة يشترط أن يكون من العلماء• وأحياناً أخرى كانت ترد إشارة إلى أن المسؤول هو الأرشد من الموقوف عليهم من الذكور، ثم الأفقه والأورع من الفقهاء الشافعية، ومن هنا نلاحظ أن شرط العمل والفقه والورع من الشروط التي كان يصر عليها لتولي الإشراف على الكتب• إضافة إلى وجوب أن يكون من الذكور• بينما يرد مسمى "محافظ للكتب" في الوقفية المتعلقة بالمكتبة الخالدية، وأول من تولى هذه المسؤولية هو أمين الأنصاري• ويلاحظ هنا أن متولي الوقف ليس هوالمسؤول المباشر عن المكتبة، أي إن محافظ الكتب يتم تعيينه لإدارة أمور المكتبة•
واجبات المسؤول عن المكتبة
تعين كل وقفية الواجبات الملقاة على عاتق المسؤول عن المكتبة -فالشيخ يحيي شرط لنفسه "حق الإدخال والإخراج والتبديل والتغيير والزيادة والنقصان والتصحيح والإبطال" ولم يتح ذلك لأي من بعده••
ـ القراءة والمطالعة وكتابة القراءات يجب أن تتم بإشرافه وبمعرفة المتولي على الوقف الذي هو الأرشد والأفقه منهم•
ـ الإشراف على الإعارة•
ـ صيانة محتويات المكتبة بالترميم أو التجليد•
ـ تنفيذ شروط الواقف في استخدام الكتب وعدم المحاباة في ذلك لأي شخص كان مهما كانت منزلته أو وظيفته•
وتجمل الوقفية المتعلقة بالمكتبة الخالدية الواجبات الوظيفية للمسؤول عنها في المسمى الوظيفي له، فهو وفق ما يوحي الاسم المسؤول عن الحفاظ على المكتبة "الرجل المعين محافظ للكتب"، إذ عليه أن يحرص على حفظ كتبها الموجودة فيها، وعليه أن يفتح المكتبة في ساعات الدوام يومياً من الصباح إلى المساء ويبدو أن محافظ المكتبة الخالدية لم يكن أقل حماساً لإثراء المكتبة من صاحب فكرة إنشائها، فقد وصف أسعد طلس قيامه بهذا العمل قائلاً "قيّم يحفظها أحسن حفظ•• أفنى عمره على رعايتها واستهداء الناس ماعندهم من نفائس المخطوطات" فهوبذلك أضاف لوظيفته المنصوص عليها في الوقفية واجب تزويد المكتبة بالمخطوطات وإثراء مجموعتها•
الإعارة
لمّا كان الحفاظ على الكتب من الضياع أحد الأهداف الرئيسة للوقفيات، فإن الوقفيات تشير إشارة واضحة إلى شروط إعارة الكتب، فالشيخ يحيى لم يبح لغيره إدخال أو إخراج الكتب أو تبديلها وتغييرها، أما الشيخ محمد الخليلي، الذي أوضح أنه أراد بقاء الكتب في بيت المقدس فهو يضع شروطاً مفصلة للإعارة، بعدأن يشدد على أن الكتب يجب أن لا تباع، ولا توهب، ولا ترهن، ولا تهدى، ولا تستبدل، وشروطه هي:
1ـ عدم جمع أكثر من إعارة واحدة للشخص الواحد "يعير منها تغييره، بعد تغييره من الكتاب بتمامه"
2ـ لا يعير إلاّ من عرف بالصلاح من طلبة العلم في بيت المقدس، أي إن الإعارة مشروطة بأن يكون طالب علم، تقياً وصالحاً، ومن أهل بيت المقدس، أي المقيمين فيها وفق ما يفهم في مكان آخر من الوثيقة "المجاورين بها، والقاطنين فيها"•
3ـ الإعارة مسموحة بالشروط السابقة لطالب العلم من أي مذهب•
4ـ من الشروط المفيدة للإعارة أن يكون الهدف منها الانتفاع والاستفادة، وللمسؤول عن المكتبة تقدير ذلك إن لم يعلمه يقيناً "إذا علم أو ظنّ أن المستعير قصده الانتفاع"•
5ـ لا يسمح بالإعارة لمن عُرف عنه التقصير في الحفاظ على الكتب•
6ـ ضرورة إرجاع الكتاب حال الانتهاء منه، لضمان الاستفادة منه عند الحاجة إليه•
7ـ تطبيق الشروط المقيدة للإعارة على الجميع دون استثناء أو محاباة•
أما المكتبة الخالدية فلا يشير نظامها إلى إعارة الكتب خارج المكتبة فربما كان الأمر متروكاً للمعيّن محافظاً للمكتبة وتقديره إذا توفر شرط الحفاظ على الكتب، أما استعارة الكتب داخل قاعة المطالعة في المكتبة فكانت بلا قيود كما يُفهم من سياق الوقفية•
ومما يلفت النظر في برنامج المكتبة الخالدية مساعدة القائمين عليها لعامة الناس في الحصول على نسخ من الكتب التي يرغبون في الحصول عليها، وذلك من خلال دعوة وجهتها المكتبة لمن كان له رغبة في الحصول على نسخة من كتاب أرسلته المكتبة إلى المطبعة، أو استنساخ أي شيء من المكتبة أن يتصل بجهة عينها البرنامج، لعلها الجهة التي تولت الطباعة، لطلب ما يريد "فليطلب ذلك من إدارة جريدة ثمرات الفنون في بيروت أو مكاتبها"•
الميزانية وأوجه صرفها
تشير الوقفيات إلى أن أملاكاً متعددة كان يعينها الواقف للإنفاق على الوقف ورعايته، وتعيّن أحياناً أوجه الإنفاق وأولها تحديد المبلغ الذي يتقاضاه المتولي على الوقف، كما تشير الوقفيات أيضاً إلى أن المتولي على الوقف يأخذ من ريعه لغرض ترميم وتجليد ما يحتاج للترميم والتجليد من الكتب، كذلك خصص بعضها جزءاً من المال ليصرف على صيانة المكان وعمارته، والجزء الباقي يدفع كاملاً للمسؤول عن المكتبة•
الدور الثقافي والاجتماعي لتلك المكتبات
على الرغم من الخصوصية التي تميز مجموعات الوثائق موضوع الوقفيات من جهة التملك كونها مجموعات خاصة ومكتبات أفراد إلاّ أنه لا يمكن إغفال الدور الذي ساهمت به في إثراء الحركة العلمية والثقافية في بيت المقدس، أو إغفال دورها الاجتماعي في ترسيخ القيم الفاضلة بين العامة، وتوفير الوظائف المنتظمة للعاملين على صيانة ورعاية الوقف من خلال:
ـ توفير كتب العلم ومصادر التعلم لأهل بيت المقدس، والمقيمين فيها، والمجاورين•
ـ توفير مصادر المعرفة المختلفة وجمعها، وحفظها، وتصنيفها، وترتيبها•
ـ حفظ مصادر المعلومات من الضياع للمساعدة في نشر العلوم بين الأجيال القادمة•
ـ نشر العلوم الدينية والدنيوية•
ـ المساعدة في توفير وظائف منتظمة للناظر على الوقف، والمسؤول عن الكتب، والناسخ، والمجلد، والمرمم، والعامل في أملاك الوقف، والعاملين في المطابع وغيرها•
ـ المساعدة في نشر الأخلاق الفاضلة وترسيخها بين أفراد المجتمع، حيث الإعارة غير مسموح بها إلاّ لمن عرف عنه الحفاظ على الكتب والورع•
ـ تقوية الروابط الإنسانية بين العلماء، فالشيخ يحيى يجعل أبناءه من أهل العلم طبقة من طبقات الموقوف عليهم•
ـ المساعدة على التحلي بالشجاعة في اتخاذ القرار وتطبيقه، فالشيخ محمد يدعو الناظر الكتب إلى عدم محاباة أياً كان حتى لو كان من ولاة الأمور•
ـ تقوية الروابط الثقافية والاجتماعية بين الأقطار الإسلامية وبين الأقطار الأخرى•
ـ تقوية الروابط بين العلماء أنفسهم من المسلمين، وبينهم وبين غيرهم، فمكتبة آل الخالدي كانت تضم كتباً لبعض المستشرقين مثل /مارجليوث/ إضافة إلى كتب علماء المسلمين•
ـ إعادة إنتاج المواد العلمية اعتماداً على مصادر المعلومات المتوفرة في تلك المكتبات، فالشيخ الخليلي له فتاوى شهيرة لاشك أنه استعان بمكتبته قبل الإفتاء بها•
ـ تنشيط حركة النشر والنسخ والطباعة•
ـ نقل التجارب العلمية في ميدان العمل بين الأمصار، والعمل ضمن فريق واحد، فقد عمل على تنظيم وفهرسة المكتبة الخالدية كل من راغب الخالدي المقدسي، وطاهر الجزائري مفتش المكتبات في ولاية سورية والقدس في حينه، الدمشقي مولداً ونشأة، ومحمد الحبال البيروتي المولد والنشأة•
ـ تنشيط حركة تجارة الكتب، فالشيخ محمد الخليلي يقول في وقفيته أنه حصّل هذه الكتب من كسبه، وأنه كان يشتريها "بالإنصاف" أي أنه يقدر ثمنها وفق سعر الكتب في حينه ويدفع فيها ثمناً مثل ثمن مثيلاتها، حتى لو عرض عليه الكتاب بسعر أرخص•
ـ الحفاظ على هوية المدينة المقدسة العربية الإسلامية، حيث اشترط الشيخ البديري في وقفيته لزاويته وكتبه فيها أن "لاتُؤجَر أو يَسكن فيها يهودي"•
الوضع الحالي للمكتبات والكتب موضوع الدراسة
إن المتتبع لأحوال المكتبات الفلسطينية، ومكتبات بيت المقدس يشعر بالأسى للحال الذي آلت إليه، فلم يبق فيها إلاّ القليل مما كانت تشتمل عليه من الكتب والمخطوطات، وضاع القسم الأكبر مما كان فيها، وتلف قسم آخر وسرق ما سرق منها، وبيع ما بيع بثمن بخس، وتضافرت أسباب عدة أدّت إلى هذا المآل، منها ما تعرّضت له البلاد من أوضاع طبيعية، وأخرى من صنع الإنسان، فالحروب والفتن، والزلازل والمجاعات، والهجرات القسرية، وجهل الورثة، وضعف النفوس كل ذلك أتلف كثيراً من كنوز كتبها ومخطوطاتها، أمّا ما بقي منها فهو عرضة للتلف من جرّاء الإهمال، وسوء الحفظ• أمّا ما يخص كتب المكتبات موضوع البحث فقد أصابها ما أصاب بقية كتب مكتبات فلسطين عامة وبيت المقدس خاصة•
بعض هذه المكتبات ضاع أثرها فلا تحدثنا المصادرعن بقاء أي من كتبها، وهي مكتبة الشيخ إمّت خليفة• ومكتبة حسن عبد اللطيف الحسيني، أما مكتبة أحمد المؤقت فقد بقيت بعض كتبها حتى أوائل هذا القرن ثم تبعثرت ونقل بعضها إلى المكتبة الخالدية، وأخذ بعضها الشيخ طاهرالجزائري إلى دار الكتب في دمشق• أما مكتبة الشيخ يحيى فلم يتم العثور على أية إشارة إلى وجود كتبها في أي مكتبة أخرى، أي ربما تكون تعرضت للتلف والضياع بكامل محتوياتها، وربما توزعت بين الناس، وعلى رفوف مكتبات أخرى ضاعت وتلفت بدورها•
ولم يكن حظ مكتبة الشيخ محمد الخليلي أفضل، فالشيخ الخليلي الذي أحزنه قلة وجود الكتب في الديار المقدسة، وأثار سخطه تصرف الناس بالكتب التي كان يهديها السلاطين والأعيان لبيت المقدس بالبيع والإهداء، فإن كتبه أصابها ما أصاب غيرها، ونقل ما تبقى منها إلى مكتبة المتحف الإسلامي، إذ إن المدرسة البلدية آلت إلى آل الترجمان فباعوها إلى دائرة الأوقاف، وقد نقلت إلى مكتبة المسجد الأقصى سنة 1976 وهي في حالة رثة وسيئة للغاية، حيث لا يمكن الاستفادة منها مالم تتم صيانتها وترميمها• وآلت مكتبة صنع الله الخالدي إلى المكتبة الخالدية• والتي أنشئت كمكتبة عامة سنة 1900 تحت إشراف عائلي لخدمة أهل بيت المقدس ومن يؤمها، والتي كانت تحوي كتباً بالعربية والإنكليزية والفارسية والتركية في مختلف العلوم، ومخطوطات يرجع تاريخ بعضها إلى سبعة قرون، هذه المكتبة التي كان تأسيسها يبعث الحياة إلى دور المكتبات وتطورها، هذه المكتبة عانت مثل غيرها من المكتبات نتيجة للأوضاع المتردية التي تعرضت لها المدينة جراء الهجمة الصهيونية على فلسطين وما نتج عنها، فعدد الكتب والمخطوطات فيها نقص في ثلاثين سنة حوالي 50%، وريع الوقف الذي كان في حينه إيراداً كافياً للمكتبة، أصبح مبلغاً لا يستحق الذكر في عقد الثمانينيات وما بعده، وسلطات الاحتلال تحاول مصادرة العقار الذي فيه المكتبة• وما تبقى من مخطوطاتها بحاجة إلى الترميم والصيانة وإلاّ تعرض للتلف والضياع، وقد تم في وقت سابق تصوير بعض مخطوطاتها من قبل الجامعة الأردنية، وكذلك تم تصوير جزء آخر منها من قبل معهد المخطوطات في الجامعة العربية قبل عام 1967 • تضم المكتبة حالياً وفق الدراسة المسحية التي قام بها مركز الأرشيف الفلسطيني، ما يقارب 1378 مخطوطاً في مختلف الموضوعات•
ـ منها مخطوط منسوخ سنة 418هـ- محفوظة في صناديق كرتونية خالية من الحموضة، وموضوعة بطريقة جيدة داخل غرف فيها أجهزة تحكم بالرطوبة والحرارة، وأجهزة إنذار وإطفاء حديثة• وساحة المكتبة وفق نتائج الدراسة غير قابلة للتوسع على الرغم من أنها تضم 6 غرف، ودرجة التهوية والإضاءة والتدفئة والتكييف والهدوء، وتوفير الماء والكهرباء ودورات المياه فيها جيدة جداً، وبالنسبة للأثاث فقد أظهرت الدراسة أن المكتبة تعاني من نقص في الأثاث بنسبة 27% تقريباً، وتضم المكتبة بعض التجهيزات مثل آلة تصوير، وقارئ مصغرات وحاسوب•
تشرف على المكتبة وتقوم بفهرسة محتوياتها إحدى بنات العائلة السيدة هيفاء الخالدي، وهي متفرغة للعمل فيها، وتحمل دبلوم كلية مجتمع ولديها خبرة 27 عاماً في العمل•
تراجع دور المكتبة في الوقت الحالي عن مستوى الدور الذي أنشئت من أجله كمكتبة عامة فهي لا تفتح أبوابها يومياًü، كما تبين من الدراسة المسحية المشار إليها سابقاً بأن المكتبة لا تتعامل مع المكتبات الأخرى، وليست لها مساهمة عالية في دعم الحركة العلمية والثقافية نظراً لإنشغال القائمين عليها بفهرستها وحفظ موجوداتها في ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها•
وهناك جهود تبذل من أجل الحفاظ على ما تبقى من مخطوطات المكتبة التي يقارب عددها 1378 مخطوطاً جميعها أصلية،ومنها 55 وثيقة مصدرها الوقف، فقد ذكر في الصحف الصادرة في شهر نيسانüü خبر صدور "الجزء الأول من فهرس مخطوطات المكتبة الخالدية في القدس" كما جاء في الخبر نقلاً عن مقدمة الفهرس "بروز جمعية أصدقاء المكتبة وتبنيها لبرنامج يهدف إلى الحفاظ على المكتبة•
أما المكتبة البديرية فلا تزال قائمة في دار الزاوية الوقائية في باب الناظر، أحد أبواب المسجد الأقصى في بناء قديم غير قابل للتوسع، وغير مناسب لتخزين المخطوطات بسبب الرطوبة، يشرف عليها أحد أبناء عائلة البديري، وفق الدراسة المسحية لمركز الوثائق فهو يبذل جهوداً كبيرة في الحفاظ عليها وترميمها• وتفتقر المكتبة لأية تجهيزات كآلات التصوير والحاسوب• ويبدو أن المسؤول عنها يبذل أقصى ما بوسعه للإفادة من موجودات المكتبة، حيث تشير الدراسة المسحية إلى أن المكتبة تقوم بالتصوير للمكتبات الأخرى ـ ونظراً لعدم وجود آلة تصوير
كما تشير الدراسة ذاتها ـ يمكن الاستنتاج بأن المسؤول يسمح للمكتبات أن تصدر من محتويات مكتبته خارج المكتبة•
يبلغ عدد مخطوطات المكتبة حالياً 644 مخطوطة، منها 200مخطوطة معطوبة لها فهرسان عدد مخطوطات كل منها 322 مخطوطاً، وعدد الوثائق فيها 3000 وثيقة غير مفهرسة وفيها عيوب، لا تشارك المكتبة في أي نشاط مهني• تم تصوير مقتنياتها لصالح مركز الوثائق والمخطوطات في الجامعة الأردنية، ومكتبة المسجد الأقصى في وقت سابق•
استنتاجات عامة
يمكن تسجيل الاستنتاجات التالية بعد العرض السابق:
1ـ بينت الدراسة أن منشئي أوقاف الكتب كانوا غالباً من العلماء والفقهاء•
2ـ تشترك الوقفيات في الحرص على بقاء الكتب في متناول العلماء وطلاب العلم•
3ـ اختلفت الوقفيات في تحديد مستوى المستفيدين من الوقف، فهو تارة من العلماء الذكور، وأخرى كل من فيه قابلية لعلم أوقراءة، ولاحقاً جعلت الوقفية المكتبةوعامة لعموم الناس، وربما كان لهذا علاقة بتدهور الأوضاع العامة في البلاد، والرغبة في نشر الوعي•
4ـ تطور الأوضاع التنظيمية للمكتبة الخالدية عن المكتبات التي سبقتها زمنياً، ولا شك أن ذلك كان نتيجة لاتصال أهل بيت المقدس بالدول الأوربية المبكر وزيادة الاتصال الثقافي بين فلسطين وأوربا وإنشاء البعثات الأجنبية لمكتبات تابعة لها، مما انعكس على تنظيم المكتبات في فلسطين••
5ـ كانت المكتبات على اختلاف عصورها نظام داخلي لإدارتها يتمثل في شروط الواقف•
6ـ كانت المكتبات تؤدي دوراً هاماً في نشر الثقافة والعلم، كما كان لها دور إيجابي في تحسين الوضع الاجتماعي للمجتمع الذي تنتمي إليه•
7ـ يبذل القائمون حالياً على المكتبات جهوداً ملموسة للحفاظ عليها، وصيانة محتوياتها، وفهرستها، في حدود طاقاتهم وإمكانياتهم وجهودهم الشخصية، كما يتضح من الدراسة المسحية•
8ـ تحتاج المكتبات حالياً إلى الدعم في توفير المباني، والأثاث، وتأهيل الأطر البشرية والتجهيزات الحديثة•
9ـ قد تتعرض المكتبات للتلف والضياع إذا لم تتوفر لها الإمكانات الضرورية لترميم مخطوطاتها وكتبها وصيانتها، وتصوير مالم يتم تصويره من الوثائق•
التوصيات
في ضوء الأوضاع التي تعيشها المكتبات الفلسطينية سواء في بيت المقدس أم في المدن الأخرى، ونظراً للدور الذي يمكن أن تؤديه في حال تنميتها والاهتمام بها، وفي ضوء التجارب السابقة في حفظ الكتب، والحفاظ على المكتبات، فإن الحاجة تبدو ماسة للعمل على أكثر من صعيد، وبالتعاون بين جميع المهتمين وذوي العلاقة من أجل:
1ـ إعادة إحياء دور الوقف في المحافظة على المكتبات وضمان استمرار وجودها•
2ـ القيام بحملة دولية لإنقاذ ما تبقى من كتب ومخطوطات في المكتبات الفلسطينية تشمل الترميم والتجليد والتصوير•
3ـ دعوة المؤسسات الرسمية والشعبية على المستوى العربي والإسلامي والدولي للمساهمة في إنشـاء المكـتبات في المـدن الفلسطـينية، وتـدريب الأطر البشرية اللازمـة لإدارتـها•
4ـ العمل والسعي لتسجيل المكتبات الأثرية ضمن الآثار العالمية التي يجب على المجتمع الدولي حمايتها•
5ـ العمل على الاستفادة من تجربة مؤسسي المكتبة الخالدية في جمع شتات المكتبات المبعثرة والمهملة لإنشاء مكتبات مركزية في المدن الفلسطينية•
6ـ مساعدة المكتبات الأثرية خاصة في توفير المعدات والمستلزمات الحديثة الضرورية لصيانة مخطوطاتها ووثائقها•
7ـ دعوة القائمين والمشرفين على إدارة هذه المكتبات، والسماح لهم بالمشاركة في النشاطات واللقاءات العلمية والمهنية على مستوى الوطن العربي، لكسر القضايا المفروضة عليهم جرّاء الاحتلال الصهيوني، وإتاحة الفرصة لهم للاستفادة من الخبرات المهنية•
8ـ تخصيص مقاعد دراسية وتقديم منح جامعية لأبناء فلسطين في تخصص علوم الوثائق والمكتبات والمعلومات في الجامعات العربية• والسعي لدى أقسام المكتبات ومدارس المعلومات في الدول الصديقة لتخصيص مثل هذه المنح لهم لتأهيلهم لصيانة وإنقاذ وتطوير التراث الثقافي والعلمي في فلسطين•
9ـ مساعدة المكتبات على إنشاء مواقع لها على الشبكة العنكبوتية•
الهوامش والمصادر
ـ محمدالخليلي، وثيقة مقدسية تاريخية، حققها إسحـق موسى الحسيني لأمين أبو ليل، القدس،1979، ص17 •
ـ عبد الجليل حسن عبد المهدي - الحركة الفكرية في ظل المسجد الأقصى في العصرين الأيوبي والمملوكي / عمان:مكتبة الأقصى، 1980، ص54-270.
- الموسوعة الفلسطينية، مج3، القسم الثاني، بيروت،1990، ص284-285
ـ عادل مناع ، أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني 1800-1918 / ،-ط2 ، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطيني، 1995 ص161
ـ برنامج المكتبة الخالدية العمومي، القدس: مطبعة جورجي حبيب حناينا، 1979، ص1 •
ـ أسعد طلس دور كتب فلسطين ونفائس مخطوطاتها، مجلة المجمع العربي، مج20، ع5 (أيار - حزيران 1945)، ص237 •
ـ عارف العارف ـ المفصل في تاريخ القدس، ج1، القدس، مكتبة الأندلس، 1961، ص451 •
ـ الموسوعة الفلسطينية ص290 •
ـ كامل العسلي ـ وثائق مقدسية تاريخية مع مقدمة تاريخية حول بعض المصادر الأولية لتاريخ القدس، مج1، عمان: الجامعة الأردنية، 1983 ، ص152-153 •
ـ وثيقة مقدسية، ص 7ـ13 •
ـ برنامج المكتبة الخالدية، ص1 •
ـ وثائق مقدسية، ص158،164،167 •
ـ وثيقة مقدسية، ص22 •
ـ الموسوعة الفلسطينية، ص288-289 •
ـ وثائق مقدسية، ص153-164-167 •
ـ وثيقة مقدسية، ص23-24 •
ـ وثائق مقدسية، ص153-167 •
ـ وثيقة مقدسية، ص34 •
ـ الموسوعة الفلسطينية، ص286-291 •
ـ برنامج المكتبة الخالدية•
ـ وثائق مقدسية، ص161-164 •
ـ الموسوعة الفلسطينية، ص289 •
ـ برنامج المكتبة الخالدية، ص13 •
ـ وثائق مقدسية، ص159-164 •
ـ وثيقة مقدسية ص22-33 •
ـ دور كتب فلسطين، ص237 •
ـ وثائق مقدسية ص165 •
ـ وثيقة مقدسية ص33-34 •
ـ المرجع السابق•
ـ المرجع السابق•
ـ دور كتب فلسطين ص237 •
ـ وثيقة فلسطينية، ص33-34 •
ـ وثيقة مقدسية، ص33-40 •
ـ فيليب دي طرازي، خزائن الكتب العربية في الخافقين، بيروت: دار الكتب، (1950)، ص143 •
ـ فؤاد محمد خليل صالح عبيد، مخطوطات فلسطين واقع وطموح "بيت المقدس مركز الأرشيف الوطني الفلسطيني: القدس، 2000 ، ص51،63،85 •
ـ الموسوعة الفلسطينية، صفحات متعددة•