إصدارات النادي

 

بيت لحم ــ جنين ــ نابلس
ثالوث الصمود الفلسطيني
نزار حميد

مستخلص
تتناول هذه الدراسة بعض رموز الصمود الفلسطيني أمام الهجمة الصهيونية التي استهدفت جميع المدن الفلسطينية المحتلة من عام 1967، هذا الصمود الممتد عبر الزمان من أيام الوجود الكنعاني إلى يومنا هذا•
لقد حوصر في بيت لحم وجنين ونابلس مقاتلون وأطفال وشيوخ ونساء، وما استسلموا لآلة الحرب الصهيونية، وظلّوا شامخين صامدين، كما كنيسة المهد وآثار فلسطين عبر الزمان•
لقد اجتمع صمود المكان وصمود الإنسان في زمن الصمت أمام آلة الدمار، فشكلوا معاً أسطورة من أساطير الصمود الفلسطيني الدائم•
مقدمة
لقد سطر الشعب الفلسطيني ملحمة صمود في كل مدنه وقراه ومخيماته، لاسيما في مخيم جنين ومدينة نابلس القديمة، كما سطر أسطورة في الصمود ضد الحصار رافضاً الوجود الصهيوني على أرضه المقدسة في مدينة بيت لحم مهد المسيح عليه السلام وغيرها من المدن، لكن الكيان الصهيوني تجاوز كل الخطوط الحمراء، وضرب بعرض الحائط كل الاتفاقات والقوانين الدولية غير آبه بأن آلته الحربية تنتهك المقدسات وتدمر المنازل وتقتلع الأشجار وتحصد المدنيين وتدمر سيارات الإسعاف لتمنعهم من أداء واجبهم في إسعاف المصابين، وتقتل الصحفيين لتمنعهم من تصوير حقيقة ما يجري على أرض الواقع.
بيـت لحـم
مدينة فلسطينية ترتفع عن سطح البحر نحو 780 م وتقع على بعد نحو 10كم إلى الجنوب من مدينة القدس، وتشكل مع مدينتي بيت جالا وبيت ساحور تجمعاً عمرانياً فلسطينياً إذ لا تبعد الواحدة منها عن الأخرى سوى 2-3كم.. وقد قدر عدد سكان بيت لحم عام 1948نحو 8 آلاف نسمة ارتفع إلى 14 ألفاً عام 1949 بسبب قدوم اللاجئين إليها من الأراضي التي احتلت عام 1948، ووصل عددهم عام 1966 إلى نحو 22.5 ألف نسمة، لكن بعد احتلال المدينة عام 1967 انكمش عدد السكان ليصبح 16300 نسمة ويصل في عام 1978إلى نحو 34 ألفاً منهم قرابة 9 آلاف لاجئ فلسطيني يقيمون في المخيمات القريبة من بيت لحم وهي (مخيم العزة ومخيم عايدة ومخيم الدهيشة) ويصل وفق الإحصاءات التي أجرتها السـلطة الفلسـطينية نهاية عـام 1997 إلـى/135604/ أشخاص، ارتفع إلى /141187/نسمة منتصف عام 1999 •
هذه المدينة سكنت من نحو 4000 عام، فتذكر ألواح تل العمارنة التي ترجع إلى القرن الرابع عشر ق.م مدينة جنوبي مدينة القدس تسمى بيت إيلو لاهاما أي بيت الإله لاحاما، وهو إله القوت والطعام عند الكنعانيين،وعلى الأرجح كانت بيتاً للإله لاحاما لأنها تقع في منطقة خصبة تكثر فيها المراعي والأغنام والمواشي إلى جانب حقول القمح والشعير وأشجار الزيتون والكرمة، وربما اشتق اسمها بيت لحم من كونها بيت الإله لاحاما، أو لأن بيت لحم بالآرامية تعني بيت الخبز وفي الحالتين دلالة على خصب الأراضي المحيطة بالمدينة•
وذكرت بيت لحم باسم آخر هو أفراته أو أفرات وهي كلمة آرامية أيضاً تعني الخصب والإثمار وبالتالي فإن اسم هذه المدينة يعني الخصب والخير••
الكنعانيون كانوا يقيمون فيها إلى أن جاءت القبائل اليهودية وغزت أرض فلسطين، ويروى أن النبي يعقوب عليه السلام مر في هذه المدينة وهو في طريقه إلى الخليل فماتت زوجته راحيل فدفنها في مكان قريب من بيت لحم يعرف اليوم بقبة راحيل وفي بيت لحم ولد الملك داود عليه السلام، واستمدت المدينة شهرتها وأهميتها من مولد السيد المسيح عليه السلام فيها.
وحاول الملك هيرودس التخلص من كل مولود في بيت لحم، فغادر السيد المسيح عليه السلام وأمه إلى الناصرة وبدأ رحلة دعوته إلى أن رفعه الله عز وجلّ إليه..
بين عامي 326ـ330م بنت هيلانة والدة الإمبراطور الروماني قسطنطين كنيسة فوق المغارة ودعيت بكنيسة القديسة مريم وقد هدمها السامريون عام 529م فأعاد بناءها الإمبراطور جوستنيان بشكلها الحالي، وأصبحت تعرف باسم كنيسة المهد.
وعندما احتل الفرس فلسطين عام 614م لم يمسوا كنيسة المهد بأذى لأنهم رأوا على واجهتها صورة من الفسيفساء تمثل المجوس، وقد سجدوا أمام السيد المسيح عليه السلام ..
في عام 636 فتح المسلمون فلسطين وأظهروا احتراماً لمهد السيد المسيح عليه السلام، ويذكر المؤرخون أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما زار القدس ومنح أهلها الأمان حضرته الصلاة وهو في كنيسة المهد فصلى داخل الكنيسة من الجهة الجنوبية وكتب عمر للبطريارك سجلاً:" ألا يصلى في هذا الموضع إلا رجلاً واحداً بعد رجل" .. كما يذكر أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يبعث بزيت يسرج في بيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام.
وبعد أن احتل الفرنجة مدينة بيت لحم عام 1099 أعادوا إعمار المدينة وأضافوا إلى كنيسة المهد ديراً على النمط القوطي وبنوا حصناً فيها، إلى أن حررها منهم صلاح الدين عام 1187م.
في عصر المماليك زار بيت لحم عدد من الرحالة والمؤرخين المسلمين أمثال :"ياقوت الحموي وابن بطوطة والقزويني وغيرهم الذين ذكروا أنها كانت عامرة حافلة فيها أسواق ومزارات وجميعهم جاء على ذكر شجرة النخيل التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة مريم الآية 25: "وهزي إليك بجذع النخلة.."
ومع الفتح العثماني عام 1517م فتحت مدينة بيت لحم وبقي سكانها يتمتعون بحريتهم الدينية وذكر الرحالة الفرنسي فولني "VOLNEY" في القرن الثامن عشر : "أن المسيحيين في بيت لحم يعيشون في سلام ووئام مع مواطنيهم المسلمين".. وعلى أثر الخلافات بين الروم الأرثوذكس واللاتين (وهما طائفتان مسيحيتان) حول ملكية الأماكن المقدسة في بيت لحم أصدرت الحكومة العثمانية أمراً حددت فيه ما خص كلاً من الطائفتين وفازت بمعظم الأماكن الطائفة الأرثوذكسية، إلى أن اختفت النجمة الفضية المثبتة في مغارة المهد عام 1847م، وقد كتب عليها باللاتينية :" هنا ولد المسيح من العذراء مريم" وكانت سرقتها عاملاً هاماً في الأزمة الدولية التي أدت إلى حرب القرم1854ـ1856 بين روسيا من جهة والدولة العثمانية وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى، والتي انتهت بانتصار الحلفاء ضد روسيا وسمح بعدها بأن يضع اللاتين يدهم على قسم من كنيسة المهد ومازال هذا الوضع قائماً حتى الآن.
خلال عهد الانتداب البريطاني على فلسطين 1917-1948 كانت بيت لحم معقلاً من معاقل الثوار الفلسطينيين، حيث كانت مراكز الشرطة البريطانية هدفاً لهجمات الثوار خلال تلك الفترة وفي عام 1949 استقر الحكم في بيت لحم والضفة الغربية للأردن حتى عام 1967، عندما قامت قوات الاحتلال الصهيونية باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، وظلت تحت الاحتلال حتى عام 1994عندما انسحبت القوات الصهيونية من المدن الفلسطينية، وأعادت الانتشار حولها تطبيقاً لاتفاقات أوسلو..
وخلال الفترة التي ظلت فيها المدينة المقدسة تحت الحكم الصهيوني كانت تدير الشؤون المسيحية قسم الشؤون المسيحية في وزارة الأديان الصهيونية، وقد تعرضت خلال تلك الفترة المقدسات المسيحية كما الإسلامية للاعتداءات الصهيونية، نذكر بعض الذي يخص مدينة بيت لحم منها:
1ـ ذكر المطران تيودوروس مطران الروم الأرثوذكس أن الجنود الصهاينة اعتدوا على كنيسـة مار الياس على طريق بيت لحم وكسـروا مقاعدها ونهبوا أيقوناتها المقدسـة يوم 1967/6/13، كما سرقوا الأواني المقدسة وأثاث الدير الذي تعرض بعد ذلك للقصف بالمدفعية•• وقد أعاد المسؤولون عن الدير معظم المسروقات من أسواق تل أبيب، حيث كانت تباع فاشتروا معظمها وأعادوه إلى الكنيسة .
2ـ وفي 1967/8/12 قام ثلاثة جنود صهاينة بسرقة تاج السيدة العذراء، وبعد افتضاح الأمر أمرت السلطات العسكرية الصهيونية بإعادة التاج بعد أن انتزعت منه عدة لآلئ ثمينة .
3ـ من الانتهاكات اللاأخلاقية التي كان يرتكبها الصهاينة ضد الأماكن المقدسة ورجالات الدين : الدخول بملابس خليعة إلى الكنائس وممارسة أوضاع غرامية فاضحة، والتدخين وإدخال الكلاب مع أصحابها إلى الكنائس وشتم وسب رجال الدين المسيحيين••
مع زيارة الإرهابي آرئيل شارون إلى الحرم القدسي الشريف في 2000/9/28م وتفجر انتفاضة الأقصى، كان لسكان بيت لحم دور فاعل في المواجهات مع سلطات الاحتلال الصهيونية حيث شهدت المدينة مواجهات شبه يومية مع قوات الاحتلال وقدمت عشرات الشهداء ومئات الجرحى وهدم الصهاينة البيوت في هذه المدينة المقدسة واقتلعوا الأشجار فيها إلى أن اكتملت معهم دائرة الحقد عندما اجتاحوا جميع المدن الفلسطينية، فحاصر جنود الاحتلال الصهاينة في كنيسة المهد نحو 200 مواطن فلسطيني، ومنعت عنهم كل أشكال المساعدة الإنسانية بدعوى مقاومة الاحتلال واتهمت المحاصرين بأنهم إرهابيون وأنهم يحتجزون الرهبان ورجال الدين المسيحي في الكنيسة..
لكن الحقائق كانت واضحة تماماً فدبابات الاحتلال هي التي تحاصر مهد المسيح عليه السلام، وهي التي أحرقت أجزاءً كبيرة من الكنيسة، والجنود القناصة هم الذين قتلوا بعض المحتجزين من المدنيين ورجال الدين، ولأول مرة في التاريخ تضم كنيسة مسيحية جثمان مقاتل مسلم بعد أن رفض جنود الاحتلال دفنه خارج الكنيسة، وبهذا الالتحام الفلسطيني بين المسلمين والمسيحيين زادت قوة الصمود، فاستمر الحصار 38 يوماً، انتهى باتفاق يقضي بإجلاء جميع المحتجزين عن كنيسة المهد، وإبعاد 13 منهم خارج فلسطين المحتلة تم توزيعهم على عدة دول أوربية، وإبعاد 23 آخرين إلى قطاع غزة..
لقد مرت أعياد الفصح ولم تشعل كنيسة المهد شموعها، ولم تقرع أجراس الكنائس في بيت لحم التي لم تشهد أيضاً أعياد الميلاد ورأس السنة لعام 2001 وعام 2002 بسبب الحصار الصهيوني للمدينة برمتها.. وظلت المدينة بسكانها وقداستها دليل صمود وتحد للاحتلال والطغيان الصهيوني.
جنين
سميت بذلك الاسم لكثرة الجنائن التي تحيط بها،وهي مدينة عربية ومركز قضاء يحمل اسمها، حاول الصهاينة احتلالها عام 1948 ففشلوا أمام استبسال أهلها المدافعين عنها، لكنهم تمكنوا من احتلالها عام 1967 مع باقي أراضي الضفة الغربية•
تقع جنين عند النهاية الشمالية لمرتفعات نابلس التي تطل على سهل مرج ابن عامر حيث التقاء بيئات ثلاث هي:" الجبلة والسهلية والأغوار"، ترتفع عن سطح البحر ما بين 125ـ250 متراً، وتتمتع بموقع ممتاز لأنها تتوسط طرق المواصلات، فهي تتوسط طريق القادمين من حيفا والناصرة إلى نابلس والقدس، ومن بيسان إلى نابلس ومدن الضفة في الجنوب•
أقام الكنعانيون فيها قرب عين ماء أطلقوا عليها اسم عين جنيم، ولأهمية موقع هذه العين كانت عرضة للغزاة القادمين من الشمال: البابليين والآشوريين والآراميين، والقادمين من الجنوب: الفراعنة المصرين•• وتروي الروايات أن شاؤول الملك الذي حكم أتباع موسى قد لقي مصرعه وأبناؤه الثلاثة هناك في معركة مع الفلسطينيين••
عندما قدم الرومان وحكموا فلسطين أقاموا قرب جينا أوعين جنيم كنيسة عثر المنقبون على آثارها بالقرب من الجامع الكبير في جنين الحالية، وقدروا أن تاريخ إنشائها يعود إلى القرن السادس الميلادي.
مع الفتح الإسلامي لفلسطين سكن عين جنيم بعض القبائل العربية وأطلقوا على بلدتهم اسم جينين الذي أصبح فيما بعد جنين، وفي التقسيم الإداري في العصر الإسلامي تبعت جنين جند الأردن•
واحتل الفرنجة المدينة عام 1103م وأطلقوا عليها اسم جيرين الكبرى، وبنوا فيها القلاع وأحاطوها بالأسوار، وبعد معركة حطين الشهيرة عام 1187م هزم الفرنجة وأعيدت لجنين حياتها العربية الإسلامية، وخرج منها الفرنجة نهائياً عام 1224م ..
في عهد المماليك كانت جنين مركز البريد الهامة، وبنوا فيها خاناً وحماماً وعدة حوانيت إلى أن جاء العثمانيون عام1516 واعترفوا لأمراء قبيلة حارثة الطائية المقيمة في جنين بنفوذهم واستمروا على هذه الحال إلى أن جاء مصطفى باشا والي دمشق فبنت زوجته فاطمة خاتون عام 1566 جامعاً كبيراً وتكيةً وحماماً وعدة دكاكين••
فشل الأمير فخر الدين المعني الثاني بغزو جنين مرتين عامي 1623ـ1624، وتعرضت جنين للسلب والنهب و الحريق أثناء الحملة الفرنسية على فلسطين لوقوف أهلها إلى جانب الذين حاربوا الفرنسيين بجانب الجيش العثماني في مرج ابن عامر وأثناء حملة إبراهيم بن محمد علي باشا على بلاد الشام جعل جنين مركز لواء خاص بها بعد أن طرد الأتراك من فلسطين، لكن حكم المصريين لم يطل، وأخرجوا منها عام 1840، فعادت جنين قائمقامية في متصرفية نابلس تتبع ولاية بيروت التي أنشئـت بدلاً من ولاية صيدا••
في منتصف القرن التاسع عشر تعرضت جنين إلى موجة من الفتن والحروب بين القوى المحلية المتصارعة، ففرضت الدولة العثمانية سيطرتها على المدينة، وأمنت لأهلها الهدوء والانتعاش وبني فيها سوق كبير يعرف الآن باسم السوق القديم ..
وخلال الحرب العالمية الأولى أقام الألمان في جنين مطاراً عسكرياً غربي المدينة، لكن أمام زحف الجيش البريطاني انسحب الألمان والعثمانيون من المدينة واحتلها البريطانيون مساء 20-9-1918 ونصَّبوا عليها حاكماً عسكرياً.
لقد ارتبط اسم جنين بالشيخ عز الدين القسام الذي وعى مبكراً خطر بريطانيا والحركة الصهيونية العالمية فنظم المقاتلين وعلّم الأميين، وبدأ إعداد العدة لثورة كبيرة ضد ظلم المحتلين، وعندما انكشف أمره في حيفا انتقل إلى أحراش يعبد قضاء جنين، حيث استشهد في معركة غير متكافئة مع البريطانيين يوم 1935/11/19 وهو اليوم الذي بدأ فيه الشعب الفلسطيني إضرابه العام الذي دام ستة أشهر وتوج بالثورة الفلسطينية الكبرى، والتي امتدت من عام 1936 إلى عام 1939 حيث توقفت مع اندلاع الحرب العالمية الثانية•
أثناء عهد الانتداب البريطاني أصبحت جنين مركزاً لقضاء جنين، وعندما بدأت حرب 1948 هاجم الصهاينة قرى جنين المنتشرة في مرج ابن عامر، واحتلوا الكثير منها ثم أحكموا الطوق حول جنين في 1948/6/3 واستولوا على معظم أحيائها وقصفوا مراكز تجمع المقاتلين الفلسطينيين فيها، لكن وصول النجدات العراقية والفلسطينية آنذاك كبد الصهاينة خسائر فادحة فاندحروا عنها، وتمكن المجاهدون من استرداد عدة قرى شمالي جنين قبل وقف إطلاق النار.
مع تدفق اللاجئين من الأراضي التي احتلت عام 1948زاد عدد سكان جنين فبلغ عام 1950 نحو 10 آلاف ارتفعوا ليصل عددهم إلى200041 نسمة عام 1998، و207837 نسمة منتصف عام 1999 •
في عام 1967 احتل الصهاينة مدينة جنين، وعاثوا فيها فساداً كما في باقي مدن الضفة الغربية، فنكلوا بأهلها وقصفوا أحياءها ودمروا منازلها وانتهكوا حرمات مقدساتها لعجزهم عن احتلالها عام 1948، ولم يكترثوا لنداءات وقرارات هيئة الأمم المتحدة لوقف اعتداءاتهم على سكانها الأبرياء.
إن مدينة جنين التي كانت منبع المجاهدين والاستشهاديين ضد الوجود الصهيوني على أرض فلسطين لم تتوان عن تقديم أبنائها على مذبح الحرية، فمع اندلاع أعمال انتفاضة الأقصى في 2000/9/28 ثارت جنين كباقي المدن الفلسطينية الثائرة، وأرسلت أبناءها الاستشهاديين ليوقعوا في صفوف العدو الخسائر الفادحة وليدبوا في قلوبهم الرعب، لكن آلة البطش الصهيونية حاصرت مخيم جنين الذي لم تتجاوز مساحته الكيلومتر المربع الواحد، والذي يصل عدد سكانه إلى نحو 15000 نسمة، وألهبته بمئات القذائف من دباباتها والعشرات من صواريخها التي حملتها طائراتها الحربية•• وصمد المخيم، وزاد الحصار على المخيم، فضُرِبَ به المثل لصمود مقاتليه المدافعين عنه بأسلحتهم الخفيفة أمام آلة الدمار الصهيونية، بعد أن رفض غالبية السكان إخلاء المخيم والتجمع في ساحته تلبية لطلبات جنود الاحتلال المتكررة عبر مكبرات الصوت، ودارت معارك ضارية أوقع خلالها المقاتلون المجاهدون في صفوف العدو 23 قتيلاً (وفق ادعاء العدو)، مما أفقد القيادات الصهيونية رشدها، فأمرت بإزالة المخيم وهدمه على رؤوس أهله أمام صمت العالم على بطش الصهاينة، ودهشته من صمود الفلسطينيين، وضرب الإرهابي شارون عرض الحائط القرارات الدولية التي طالبته بالانسحاب من المدن الفلسطينية وفك الحصار الجائر عن مخيم جنين ومدينة نابلس القديمة، وباتت جثامين الشهداء تحت أنقاض البيوت وفي الأزقة والشوارع، وقدر عددهم نحو 500 شهيد، وجاءت شاحنات صهيونية لتحمل جثامين الشهداء إلى أماكن مختلفة من أرض فلسطين المحتلة، وذلك لإخفاء معالم جريمة شارون وجيشه ضد سكان المخيم، لقد رفض شارون استقبال اللجنة التي شكلها الأمين العام للأمم المتحدة لتقصي الحقائق في مخيم جنين، مما دفع الأخير لحل تلك اللجنة.
أمام هذا الصمود انفك الحصار وجر الاحتلال خيبته أمام هذه الملحمة البطولية، ونهض المخيم الذي نفض غبار الدمار وآثار الخراب وتابع نضاله كبقية الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة الذي ما استكان يوماً.
نابلس
مدينة عربية قديمة، نشأت في واد طويل مفتوح من الجانبين ممتد بين جبلي عيبال شمالاً وجرزيم جنوباً، فيما امتد عمران المدينة الحديثة فوق هذين الجبلين، وترتفع المدينة نحو 550م عن سطح البحر، ونابلس مدينة قديمة استمر فيها السكن منذ أكثر من تسعة آلاف عام، أسسها الكنعانيون وأطلقوا عليها اسم شكيم أي الأرض المرتفعة، وقرية شكيم الكنعانية هي قرية بلاطة الحديثة، وقد وجدت التنقيبات فيها سلسلة من المعابد الكنعانية التي تعود إلى العصر البرونزي المتوسط، وفي القرن التاسع عشر قبل الميلاد احتل المصريون شكيم على يد الفرعون سيزوسترس الأول، وما يدل على ذلك كثرة الآثار المصرية من هذا العهد والتي وجدت في كثير من المدن الفلسطينية مثل تل العجول وأريحا وبيسان ومجدو ولاخيش (تل الدوير )••
ومدينة شكيم هذه أول مدينة فلسطينية نزل فيها نبي لله إبراهيم عليه السلام قادماً من أور، ووفق نصوص العهد القديم فإن خلافاً حصل بين أهل شكيم وأبناء يعقوب عليه السلام مما دفعه وعشيرته إلى الهجرة عن نابلس وانتقاله إلى بيت إيل (التكوين 24-25-35،29:1ـ8).
وفي عهد الهكسوس (1785ـ1580ق•م) شهدت سورية وفلسطين عصر ازدهار وانتعاش فتأسست المدن ذات الأسوار، وقد ورد اسم شكيم في رسائل تل العمارنة في معرض الكلام عن حركات بدو الصحراء الخابيرو..
وبعد انقسام ملك سليمان إثر وفاته اتخذ يربعام بن نياط مدينة شكيم عاصمة له عام 923ق.م ثم بنى عِمْري مدينة سبسطية الواقعة على بعد 10كم شمال غرب نابلس ونقل العاصمة إليها فتضاءلت أهمية شكيم التي سكنها السامريون(ü) وهم الذين ماتزال بقاياهم موجودة إلى يومنا هذا، ولا يتجاوز عدد أفراد هذه الطائفة الـ200نسمة والذين ثاروا على الرومان في فترة حكم فسبازيان (69-79م) فحاصرهم الرومان في جبل جرزيم وقتلوا منهم 11ألفاً، وهدموا شكيم ونقلوا حجارتها ليجددوا بنائها غرب المدينة القديمة وسماها نيا بولسNea Polis أي المدينة الجديدة، ومنها لفظ نابلس الحالي، وأقام الرومان في عهد هادريانوس (117-138م) معبداً لجوبتير مكان معبد السامريين، وانتشرت في نابلس المسيحية في القرن الرابع الميلادي وأصبحت هذه المدينة مركزا للأسقفية، وبنى المسيحيون في القرن الخامس على قمة جبل جرزيم كنيسة تخليداً لمريم العذراء ثم بنى الرومان قلعة مسورة قرب كنيسة مريم ماتزال آثارها باقية، وأعادوا بناء 5 كنائس تهدمت في حروب سابقة.
فتحت مدينة نابلس في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقيادة عمرو بن العاص وأصبحت مدينة من مدن جند فلسطين الذي كانت عاصمته اللد ثم الرملة .
استولى عليها الفرنجة عام 1099م وبنوا قلعة جبل جرزيم ومجمعاً كنسياً كبيراً ، إلى أن حررها صلاح الدين بعد معركة حطين ثم استولى عليها التتار عام 1260م.
سيطر العثمانيون على مدن كثيرة دون حرب منها نابلس التي ذكرها سائح تركي عام 1671اسمه أوليا جلبي فوجدها مركز لواء تابع لولاية دمشق، ويضم 200قرية، وذكر مساجدها وسوقها ومدارسها وحماماتها ...
في عام 1834 دخلت نابلس تحت حكم إبراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر، وعادت عام 1840 للسلطة العثمانية وظلت تحت سيطرة العثمانيين إلى أن استولى عليها البريطانيون يوم 21-9-1918 وخلال فترة الحكم البريطاني زاد عدد سكان نابلس، فقدر عددهم عام 1945بـ23250 نسمة، وبدأ الأهالي نتيجة ذلك يشيدون منازلهم على الجبال خارج المدينة القديمة لاسيما بعد الزلزال الذي أصابها عام 1927، ومع الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية عام 1948 شهدت نابلس كغيرها من مـدن الضفة والقطاع نمواً كبيراً في عدد السكان والمباني بسبب استقبالها مئـات اللاجـئين الفلسطينيين الذين هـاجـروا إليها، وأقـامـوا في مخـيماتها(üü)، هي (مخيمات نابلس)•
وبعد حرب 1967 هبط عدد سكان نابلس إلى 44 ألفاً نتيجة النزوح إلى الأردن والخليج العربي، وبلغ عدد السكان في نابلس 257566 نسمة عام 1998 ارتفع إلى 267650 نسمة منتصف عام 1999 ...
وتضم المدينة القديمة الكثير من الأماكن المقدسة والمساجد القديمة ففيها : الجامع الكبير أو الصلاحي وهو أكبر مساجد نابلس ...كان كنيسة بناها الأمير جستنيان في القرن السادس الميلادي حولها السلطان صلاح الدين الأيوبي إلى جامع، طوله نحو 300 خطوة وعرضه نحو 100خطوة وفيه 55 عموداً، ومحرابه واسع جداً ومنبره قديم .
ـ جامع الخضراء : في حي الياسمينة ويقال: إنه المكان الذي حزن فيه يعقوب على ابنه يوسف عليهما السلام وقد عمره السلطان قلاوون• وهو على شكل مربع طول ضلعه 87 خطوة.
ـ جامع النصر: وسط المدينة القديمة أصله كنيسة بيزنطية حولها المسلمون إلى مسجد النصر، وتصدع المسجد نتيجة زلزال عام 1927 وجدد بناؤه عام 1935.
ـ جامع الأنبياء: في محلة الحبلة، ويقال إن أولاد يعقوب عليهم السلام دفنوا فيه.
ـ جامع الحنابلة: قرب سوق الخضر، وهو قديم يرجع إلى القرن السابع الهجري على الأقل.
ـ جامع البيك: أصله كنيسة حولت إلى جامع زمن العثمانيين عام 1745م، جدد بناءه إبراهيم طوقان.
وهـناك العـديد من المساجد الأثرية كمسجد الساطون والخضر والمساكين وسبسيـطة وغيرها...
ومع الاحـتلال الصهيوني لمدينة نابلس لم تسلم المدينة وآثارها وعراقتها أمام الهجمة الصهيونية فعاثوا فيها فساداً كما في باقي المدن، ودنسوا مقدساتها . فقد حولوا جامع قرية صانور القريبة من نابلس إلى معبد لليهود بوساطة حركة أمانا التابعة لحركة غوش ايميونيم الاستيطانية ليستخدم كمكان لبلورة نوى استيطانية تابعة لحركة هعوفيد ليئومي، وأحرقوا مسجد قرية بورين ـ نابلس، مما ألحق به أضراراً جسيمة، واقتحم مستوطنون تقلهم نحو 25سيارة بمرافقة قوة من جيش الاحـتلال قريـة كفر حـارس الواقـعة جـنوب غـرب نـابلس ومزقوا المصاحف والكتب الدينية والسجاد في مسجد القرـية وأخذوا معهم كـل الكـتب الممزقـة ليخـفوا آثار جـرائمهم ...
وحال المدينة كحال باقي المدن الفلسطينية التي أعاد الصهاينة احتلالها في أعقاب الأعمال البطولية في انتفاضة الأقصى، حيث عملوا في كل أنواع التدمير والتخريب وحاصروا في حي الياسمينة في المدينة القديمة مجموعة من المقاتلين بآليات عسكرية تجاوزت الـ 500 آلة عسكرية محتشدة، حول المدينة القديمة وفق ماذكره أحد قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وألهبوا المدينة القديمة بقذائف دباباتهم وطائراتهم وصواريخهم، وصمد المقاتلون أياماً بلياليها حتى تمكن الصهاينة من احتلال المدينة بعد تدمير جزء كبير منها••••
أخيراً
إن الإرهاب الصهيوني والمجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال لم يسبق أن ارتكبها النازيون بحق أحد من قبل، ٍوأن مايفعله الفلسطينيون في الدفاع عن أرضهم وحرية وطنهم مهما أطلقوا عليه من تسميات ( العنف، التخريب، الإرهاب..) إنما هو حق مشروع ومقدس، ويجب على أبناء الأمة العربية أن يقفوا سنداً داعماً لصمود الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال من أجل تحرير الأرض وتطهير المقدسات من دنس الصهاينة.
المصادر والهوامش
ـ الموسوعة الفلسطينية، ج 1 ، دمشق 1984 ، بمجلداتها الأربعة.
ـ العهد الجديد المصور ، دار الكتاب المقدس بيروت.
ـ الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 1999، فلسطين في أرقام 1999، رام الله فلسطين.
ـ نزار حميد ـ الأوقاف الإسلامية في فلسطين والاعتداءات الإسرائيلية عليها، مجلة الأرض ، العدد 12، 1999، ص3 •
ـ نزار حميد ، الأوقاف المسيحية في فلسطين والاعتداءات الإسرائيلية عليها، مجلة الأرض، العدد 1، 1995 / ص13 •
ـ جريدة البعث دمشق، 2002/4/9 •
üـ فـئة من اليـهود لاتعترف من الـتوراة سـوى الأسـفار الخمسـة الأولى المنسـوبة إلى مـوسـى عـليه السلام•
üü ـ مخيمات نابلس هي ـ بلاطة ـ عسكر ـ شعفاط•