إصدارات النادي

 


أرشيف المكتبة الملكية في إيبلا
رجاء الشلبي

ماهي إيبلا؟!

هي مدينة إيبلا أو تل مرديخ الذي يقع إلى الجنوب الغربي من مدينة حلب، ويبعد حوالي 55كم، وإلى الجنوب من بلدة سراقب ويبعد عنها حوالي 7كم، وكانت مدينة كبيرة مسورة• تبلغ مساحتها 65هكتاراً وشكلها شبه منحرف • لها أربعة أبواب : واحد في الشمال الشرقي يقابله ثانٍ في الجنوب الغربي، وثالث في الشمال الغربي يقابله رابع في الجنوب الشرقي•
يقسم تل مرديخ إلى مركز مرتفع عن بقية المناطق على غرار "الأكروبول"• ويشمل المركز الإداري والديني والمدينة السفلى ذات الشكل شبه المنحرف المحاطة بسد دائري يمثل ما بقي من تحصينات المدينة السابقة، أما أبنية الطبقة السكنية فتمتد وفق تقويم المنقبين من الفترة المتأخرة عن عصر السلالات الملكية الأولى حتى بداية سلالة أكاد، وقد تم التنقيب فيها ضمن مساحة صغيرة في جنوب الأكروبول• وقد تم اكتشاف القصر الملكي في تلك الفترة، أما الأحياء السكنية فمن المؤكد أنها امتدت كما في العصر السوري القديم اللاحق إلى المدينة السفلى• وقد سمحت الرقم المسمارية التي وجدت في العصر بوصف المدينة وضواحيها بوضوح•
وإيبلا هو اسم تاريخي لمملكة قديمة ورد اسمها في ألواح نفر (نيبور) وعلى تمثال كوديا، وفي لوح اكتشف في مدينة أور، ويحكي قصة استيلاء نارام سن على إيبلا دارمانو•
بدأت التنقيبات في هذا الموقع من قبل بعثة إيطالية من جامعة روما عام 1964 بعد أن حصلت على رخصة التنقيب الأثري من المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية بالعام نفسه، وقد تم العثور على أول شاهد لوجود هذه الحاضرة عام 1968، عندما اكتشف في موقع تل مرديخ تمثال بازلتي نصفي مقطوع الرأس عليه الكتابة المسمارية الآتية:
"هذا الحوض تقدمة لمعبد الرّبة عشتار من ايبيت ليم ابن اغريش حيبا ملك من سلالة إيبلا•
في السنة الثامنة لعشتار وعندما تألق نجم إيبلا، أدخل ايبيت ليم هذا التمثال إلى المعبد من أجل حياته وحياة بنيه وُسَّرت عشتار بهذه التقدمة سروراً كبيراً"• وتعد هذه الكتابة الدليل الأول لتحديد هوية هذا التل الأثري•
أما اسم إيبلا، فيقول العّلامة اللغوي فرونزاروللي: إنه من المحتمل جداً أن يكون هذا الاسم الذي أصبح موثقاً في الشواهد الكتابية من حوالي 2400/ / ق•م هو الاسم الأصلي لموقع تل مرديخ من بداية أصوله"• وبالفعل يتيح لنا اسم إيبلا إعادة إنشاء شكل مستمد من اسم (عبل)، و بناءً على ذلك نستطيع الاستنتاج أن معنى هذه التسمية يحمل المعنى الأساسي نفسه الذي أوصله إلينا المعجميون العرب، والذي يعني عبلة: أي الصخرة البيضاء أو الحجر الأبيض• ومن الناحية التحليلية شرح المعجميون كلمة عبلة: بأنها ذلك الشريط الضيق والمكون من حجارة بيضاء في أرض سوداء، ولقد تحققت هذه النظرية في ضوء أمثلة طبوغرافية في سورية وفلسطين وشبه الجزيرة العربية،فمثلاً عيبال هو أحد جبال نابلس، فضلاً عن عدة أمثلة متشابهة تظهر في أسماء جبال أو مستوطنات أو أسماء أودية في قائمة الأسماء الجغرافية القديمة في اليمن، وإذا تأملنا طابع التضاريس في موقع تل مرديخ فإن القسم الجنوبي الغربي للمدينة يظهر على شكل هضبة منخفضة من الصخر الكلسي الأبيض من النوع المعروف في المناطق الجبلية المجاورة•
وفي عام 1974 قامت البعثة المكلفة بالتنقيب في موقع إيبلا باكتشاف آثار ومعالم القصر الملكي، وتم العثور بين أنقاضه على اثنين وأربعين لوحاً طينياً منقوشاً بالخط المسماري، وتعد هذه الألواح جزءاً من المكتبة الملكية في القصر، والتي تحتفظ عادة بكل الوثائق والرسائل التي تهم المملكة خلال فترة ما• وظلت عملية التنقيب مستمرة إلى أن تم العثور على المكتبة الملكية التي تحوي آلاف الرقم المسمارية في عام 1975•
المكتبة الملكية في إيبلا
تتألف المكتبة الملكية من عدد ضخم من الألواح الطينية، وهي رُقم مسمارية رتبت على رفوف خشبية بصورة دقيقة ومصنفة وفق موضوعاتها، ويبلغ عدد هذه الرقم 16500 رقيم، أكثرها بحالة سليمة وبعضها محطم تم ترميمه، أو بقيت كسراً لم يتمكن الفنيون من ترميمها، وقد سُجِلت في قيود المديرية العامة للآثار والمتاحف بالتسلسل: منها 1800 رقيم كامل و 4700 جزء رقيم وحوالي عشرة آلاف كسرة كبيرة أو صغيرة، وهكذا فإن مجموع الرقم التي يمكن أن نعدها متكاملة، لاتتجاوز الأربعة آلاف رقيم•
ولقد تبين أن هذه المكتبة هُدِمت مع القصر وأُحرِقت، وقد بدا تأثير الحريق على الخشب الذي أضحى فحماً، كما بدا على الرقم ذاتها التي أصبحت أكثر صلابة• وقد تأكد أن هذا الحريق بفعل "نارام سين" الملك الأكادي في عام 2250ق•م، والذي يقول في كتابات أكادّية :"إني أنا الذي فتح إيبلا دارمانوم ولم يكن بإمكان أحد قبلي أن يقوم بهذا العمل"•
وكنز إيبلا من محفوظات القصر، ومن الوثائق الرسمية لسجلات ومراسلات ملوك إيبلا المسطرة بالخط المسماري على الآلاف من اللوحات الطينية يضيف صفحات جديدة كل الجدة إلى تاريخ سورية والشرق الأوسط والإنسانية في النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد•
وقد تم العثور على هذه السجلات الملكية في إحدى غرف القصر الواقعة عند الرواق الشرقي الملاصق للمدخل المؤدي إلى الجناح الإداري مسطرة بالخط المسماري الذي تطور في بلاد الرافدين في فترة 3000ق•م، والذي حل محل الإشارات السومرية كوسيلة للتعبير عن الأفكار• بيد أن اللغة التي كتبت بها وثائق تل مرديخ هذه هي لغة سامية عريقة في القدم، وهذه الوثائق هي نصوص تتعلق بالتجارة الدولية، منها سجلات مالية ( إيصالات لمدفوعات أو إشعا رات قبض الجزية والرسوم والضرائب وإيصالات توريد واستلام بضائع)، أو أنها تتعلق بأوامر ملكية تشرح سلوك الحكومة وتصرفاتها، أو هي تقارير من موظفي الملك ووجهاء البلاط حول مسائل الدولة، ولعل من أهم اللوحات الكتابية المكتشفة اللوحات التي تصف الحياة التعليمية، وتتضمن بعض تلك اللوحات قوائم معجمية لمفردات لغوية شبيهة بالمعاجم الموسوعية المعروفة في عصرنا الحديث، تتألف تلك القوائم من مفردات سومرية مع ما يقابل معناها من المفردات التي يتداولها أهالي إيبلا (تل مرديخ) في النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد• فضلاً عن اللفظ الصوتي للمفردات السومرية في بعض الأحيان• إلى جانب هذه الوثائق المعجمية ذات الأهمية البالغة، هناك العديد من اللوحات التي تضم نصوصاً أدبية لأساطير وملاحم الأبطال السومريين أو لقراءات ذات طابع سحري أو ديني•
تعد لغة أهالي إيبلا (تل مرديخ) أقدم لغة وصلت إلينا مكتوبة حتى الآن، ولم يكن أحد يتوقع العثور على شواهد مسطرة منها، وتتماثل هذه اللغة مع اللغة التي جرت العادة على تسميتها بالكنعانية، وبالأخص مع الأوغاريتية( لغة رأس شمرا على الساحل السوري) التي نملك عنها شواهد ترقى إلى 1400 حتى 1200ق•م، ومع اللغة الفينيقية التي ترقى شواهدها إلى ما بعد 1200 ق•م، فضلاً عن هذا تماثلها مع اللغة العربية التي تعد أحدث لغة سامية أدبية كبيرة بين مجموعة اللغات السامية• فمثلاً نجد بين مفردات لغة إيبلا في الألف الثالث كلمات لا تزال حية في العربية مثل(كتب)و ( ملك) و (يد)•
وبعد اكتشاف هذه الوثائق أصبح مؤكداً أن لغة إيبلا هي أقدم لغة سامية مكتوبة حتى الآن، وذلك لأن وثائق تل مرديخ (إيبلا) تشمل جيلين سبقا عصر الملك الأكادي صارغون الأول، الذي كان ملكاً في بلاد الرافدين، وهو أول من سجل أحداثه باللغة الأكادية التي هي أقدم لغة سامية شرقية معروفة•
وتتجلى القيمة الأساسية للسجلات الرسمية لدولة إيبلا في أنها تمثل عنصراً رئيساً وعضوياً لوثائق دولة كبرى من الألف الثالث قبل الميلاد، فالنصوص التي تؤلف وثائق وزارتي المالية والتجارة في دولة إيبلا تغطي فترة زمنية مدتها نحو 150 سنة بين عامي 2400 و2250ق•م، وبالتالي ترسم لنا صورة كاملة ومنسجمة للإدارة التجارية والمالية في إيبلا خلال تلك الفترة •
وتبدو اللوحات بأحجام مختلفة وأشكال متنوعة، فمنها الصغير والمستدير الذي لا يتضمن إلا بضعة أسطر، ومنها الكبير والمستطيل الذي يحوي نحو ثلاثة آلاف سطر• ويصل طول أكبر لوحة فيها إلى حوالي 40سم ويبلغ طول المتوسط منها حوالي 25سم• وكانت اللوحات المكتشفة في قاعة الاستقبال الكبرى منسقة فوق رفوف خشبية يبلغ عمقها 80سم وارتفاعها 50سم• وعملية التنسيق هذه تشبه عملية التنسيق المعروفة في عصرنا لدى المكتبات العصرية في كثير من الوجوه•
لقد حققت وثائق إيبلا ثورة في معارفنا التاريخية عن الشرق الأدنى في الألف الثالث قبل الميلاد، هذه الفترة التي شهدت بناء الأهرامات في مصر أو ما يسمى بعصر (الملوك)، وشهدت الحضارة السومرية الأكادية العظيمة في الرافدين• فإلى جانب أكبر مصدرين للمعلومات التاريخية، وهي مصر والرافدين، أصبحت سورية بفضل اكتشافات إيبلا المصدر الرئيس الثالث للتاريخ الحضاري والسياسي في الشرق الأدنى•
لقد كشفت لنا وثائق تل مرديخ عن أسماء ملوك سلالة بكاملها في إيبلا ، وهم:
1ـ الملك اغريش - حلم 2400 ق•م وهو الذي أنشأ القصر الملكي في عام 2400ق•م تقريباً•
2ـ الملك آركب - دامو: في عهده توسعت علاقات إيبلا الخارجية ووصل نفوذه إلى شمال إيران الحالية•
3ـ الملك آوراينوم 2340 ق • م وفي عهده أصبحت ماري تابعة لإيبلا وأصبحت أكاد مدينة تابعة لنفوذ ملك إيبلا في أثناء حملته التي شنها على الفرات بقيادة آنا ـ داغان الذي حمل لقب ملك ماري•
4ـ الملك آبيريوم : وهو معاصر للملك الأكادي الشهير صارغون الذي ورد ذكره في بعض المحاضر التجارية الخاصة بالملك آبيريوم، (ولقد شهدت إيبلا هزيمة على يد صارغون بعد حرب بسبب المنافسة التجارية بين البلدين ) وفي عهده انتصرت إيبلا على ماري بقيادة ابن الملك شوار دامو وحمل هذا الملك لقب ملك ماري أيضاً•
5ـ آبي شيبش : عادت إيبلا في زمن هذا الملك إلى الظهور كدولة قوية فعززت قوتها، ولعله آخر هذه السلالة الذي تعرض لغزو الأكاديين، وفي عهده خرب القصر واحترق وكان ذلك في عام 2250 ق•م وفي عام 1972 عُثِر على رقيم ورد فيه اسم الملك آبي شيبش الذي يرجع إلى النصف الثاني من الألف الثالث ق•م ولقد تبين أن إيبلا في عهده وصلت إلى ذروة ازدهارها وقوتها• وفي الوقت نفسه عُثِر في صالة أخرى من صالات القصر على لوح خشبي متفحم مزين بمنحوتات بشرية وحيوانية تمثل صراعاً بينها، وهي نافرة ودقيقة جداً أعطتنا دليلاً عن خصائص الفن السوري القديم•
6ـ آبي زيكو: 1750 ق•م: وهو معاصر لحمورابي•
ولما كانت إيبلاقد شهدت الدمار في عهد ملكها (دوبوحو - عدا) أو في عهد (آركب- دامو) أي خلال الجيل الثاني بعد صارغون الأكادي، فلا بد أن الذي تولى مهمة القضاء على إيبلا هو الملك الأكادي نارام ـ سن الذي يفتخر في كتاباته بأنه فتح إيبلا المدينة التي لم يسبق أن فتحها أحد قبل نهاية الخليقة•
وتتضمن النصوص التجارية المكتشفة في إيبلا أسماء مئات المدن القديمة، وهذا ما سيزيد معارفنا غنى عن جغرافية الشرق الأدنى في الألف الثالث قبل الميلاد بشكل لا مثيل له من قبل• ومن بين المدن التي ورد ذكرها على سبيل المثال وما زالت حية هي: مدينة أرمان التي يحتمل أن تكون مدينة حلب نفسها، ومدينة ايميسا أي حمص، ومدينة إيمات أي مدينة حماة، ثم مدينة ديماشكي التي يغلب الظن بأن تكون دمشق العاصمة السورية الحالية• ومن بين المدن القديمة الأخرى يأتي ذكر كل من ماري (تل الحرير) وإيمار (مسكنة على الفرات) وتوتول (لعله تل البيعة) قرب الرقة وكركميش (جرابلس على الفرات) وحران والالاخ (تل عطشانة) قرب بحيرة العمق وأوغاريت (رأس شمرا) وقطنة (تل المشرفة) قرب حمص و(جبيل) على الساحل اللبناني•
دور إيبلا في تاريخ الشرق الأدنى
تشير اللوحات المسمارية المكتشفة إلى أن إيبلا أدت دوراً أساسياً في مناطق الدولة الأكادية في الرافدين، فالنصوص التي تحويها وثائق تل مرديخ تسرد لنا انتصارين حققتهما دولة إيبلا على دولة ماري (تل الحرير)، كما تكشف لنا الوثائق نفسها أن سبب النزاع بين الدولتين هو السيطرة على طريق التجارة، وهو نهر الفرات الذي تقع على ضفافه مدينة ماري نفسها•
أما الدافع الأساسي للعراك بين إيبلا وأكاد، فلا بد أنه يكمن في أمر السيطرة على تجارة المعادن المستخرجة من الأناضول وتجارة الخشب المستخرج من غابات الساحل السوري، وكلتا المادتين كانتا القاعدة الأساسية لحضارة ومدنية بلاد الرافدين، وفي أعقاب هزيمة شهدتها إيبلا على يد صارغون الأكادي عادت إيبلا ثانية لتهيمن هي نفسها على أكاد، وعندما حاولت إيبلا سد المنافذ على أكاد في عقر دارها في بلاد الرافدين، كان رد فعل الملك الأكادي نارامسن عنيفاً، وقد تجلى ذلك بغزو دولة إيبلا وتدمير المدينة وحرق قصرها•
تتجلى أهمية وثائق تل مرديخ (إيبلا) في أنها تضيف صفحة ناصعة للغاية في تاريخ سورية وحضارتها الرفيعة في فترة سحيقة في القدم • فهذه الوثائق تبرز إيبلا حوالي 2300ق•م كمركز لأهم دولة في الشرق الأدنى، فقد كانت تسيطر على مناطق واسعة جداً في حوض البحر الأبيض المتوسط، وحتى بلاد ما بين النهرين• وقد أظهرت النصوص سلالة أحد ملوك إيبلا بين 2350 و 2250 قبل الميلاد والتي ضاع ذكرها في خضم العدوان مع ملوك سلالة أكاد الشهيرة في بلاد بين النهرين•
إن اكتشاف الأرشيف المركزي للقصر في إيبلا يفتح أمامنا صفحة جديدة، تفتح أول مرة، والتي كانت مجهولة في القطر العربي السوري الذي أدى في الألف الثالث قبل الميلاد الدور الأول في تاريخ الشرق الأدنى•
المصادر
1ـ آثار الممالك القديمة في سورية الدكتور علي عساف
2ـ الآثار السورية الدكتور عفيف بهنسي
3ـ وثائق إيبلا عفيف بهنسي
4ـ أضواء جديدة على تاريخ بلاد الشام، مجموعة من المختصين، تعريب قاسم طوير•