 أصبحت اليوم الضرورة ملحة أكثر من أي وقت سبق لإحياء الوثائق العربية بعد الغزو الثقافي لمجتمعاتنا و تشويه وتزوير آثار الأسلاف وما قدموه للبشرية في منطقتنا العربية.
فالوثيقة هي الدليل القاطع والبرهان الساطع على وجودنا بعدما أصبح الصراع في منطقتنا صراع وجود.
وكل الغزوات والحروب التي مرت بأمتنا حاولت النيل من ثقافتها وطابعها الحضاري .
نحن نشاهد بأم أعيننا الحملات الشرسة للفضائيات ومواقع الإنترنت التي تحاول طمس الهوية العربية في منطقتنا.
والمتتبع لمثل هذه القضايا يرى أن الغرب اليوم يعيش حالة من الهستيريا نتيجة للإعلان الكاذب التي تبثه وترعاه الصهيونية العالمية، بل وتسخر كافة العناصر المادية والعلمية من أجله، حيث بات لايؤمن بالوجود الفلسطيني والعربي، وهاهو عدوّنا اليوم يجمع ويزور كل الوثائق التي تثبت بأنه صاحب حق في منطقتنا ونحن المعتدين، فمن أكذوبة هيكل سليمان إلى أثاره المنتشرة في محيط الوطن العربي .
الدور الإسرائيلي في تشويه الذاكرة العربية :
قامت إسرائيل بتغيير الوضع الطبوغرافي للأراضي العربية المحتلة في فلسطين، وزرع جغرافيا جديدة ببناء جدار فصل عنصري عازل يرسم الحدود، الذي يتيح لهاالسيطرة على أكثر من عشرة آلاف موقع أثري فلسطيني.
ويشار إلى أن الخطورة الشديدة بل والكارثية تتمثل بالنتائج الخطيرة المترتبة على الجدار العازل الذي تقيمه( إسرائيل).
إن من أهداف إقامة الجدار الرئيسية ليس الجانب الأمني كما تدعي( إسرائيل) بل التهام تراث المنطقة، حيث شهدت مرحلته الأولى تدمير عشرة مواقع أثرية بصورة مباشرة، هذا بالإضافة إلى دخول سبعين موقعاً آخر في حيز المنطقة العازلة الفاصلة بين الجدار والخط الأخضر الذي يشكل حدود الضفة الغربية لعام 1967، وهو الأمر الذي يخرج هذه المواقع ـ عملياً ـ من دائرة السيطرة الفلسطينية، إضافة إلى إخراج خمسة آلاف موقع أثري فلسطيني من دائرة السيطرة الفلسطينية إذا ما اكتمل بناء هذا الجدار، و التهام 33 % من مساحة الضفة الغربية. ويشار إلى أن ما يحدث في فلسطين ليس جديداً على العقل الاستيطاني الإسرائيلي، ويقدم دليلاً على ذلك بعدد من المستعمرات التي تمت إقامتها على أنقاض مواقع أثرية فلسطينية، وبإقدامها
.
على تفكيك أساس المسجد الأقصى,وتغيير مسمى حائط البراق النبوي ليصبح حائطالمبكى، وبالاعتداءات على الأوقاف الإسلامية، وهدم المساجد والزوايا والمساكن والمقابر،وتهويد الأزقة والشوارع دون مبالاة بالاتفاقيات الدولية التي تحرّم هذهالجرائم.
في عام 1967وبعد أربعة أيام فقط من بدء الحرب بدأت (إسرائيل) بإزالة حي أثري بأكمله بمدينة القدس، واستولت القوات الإسرائيلية على المتحف الفلسطيني وحولته إلي مقر لدائرة الآثار الإسرائيلية، وكذلك سرقت الدولة المحتلة أرشيف دائرة الآثار الفلسطينية ونهبت آثار المتحف للقضاء على كل أثر كنعاني فلسطيني. و بعد خمسة وثلاثين عاماً من هذا التاريخ صدرت الأوامر للإطاحة بثلاث من المدن القديمة في نابلس والخليل وكنيسة المهد في بيت لحم، وقامت بالمهمة مدرعات ودبابات وطائرات آباتشي وإف 16، وهو الأمر الذي وصفه مؤرخون بأنه سلوك لا يقل عن ممارسات التطهير العرقي. وتلت ذلك محاولات لضم مواقع عربية إلى قائمة التراث العالمي باعتبارها مواقع إسرائيلية. وفي مدينة بيت لحم تم تدمير الشوارع والواجهات والعديد من المباني التاريخية، رغم أن المدينة تحظي بالاحترام التاريخي باعتبارها مسقط رأس السيد المسيح عليه السلام. ونقلاً عن رسالة للمجلس الدولي للمتاحف والمواقع إلى منظمة اليونسكو فإن الدمار الأكبر كان من نصيب نابلس وبيت لحم، ففي الوقت الذي منعت فيه حركة السيارات والمعدات الثقيلة داخل المدن القديمة للحيلولة دون تأثير ذبذباتها على المعمار، كانت القوات العسكرية الإسرائيلية تستخدم الدبابات والجرافات لشق طرق في الشوارع التي يبلغ عرضها من مترين إلى ثلاثة أمتار، وقد أزيلت في نابلس منشآت تعود إلى العصر العثماني مثل الخانات والحمامات القديمة ومصنع الصابون وعدد من القصور التاريخية المتميزة، ونُسِفَ باب جانبي لكنيسة المهد ببيت لحم.
من سياسة الكيان الصهيوني لتدمير الأماكن الأثرية:
كما صدر تقرير عن اتحاد مهندسي نابلس بحصر الآثار التي تم تدميرها، مثل جامع الحضرة الذي يتجاوز عمره الألف عام، والجامع الكبير ويبلغ عمره 1800 عام حيث كان في الماضي كنيسة بيزنطية، وجامع الزيتون ويتجاوز عمره 1600 عام، والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية ويتجاوز عمرها أربعمائة عام، كذلك تم تدمير ستين منزلاً على الأقل تنتمي لعصور تاريخية مختلفة، إضافة إلى تدمير أكثر من ثمانين بالمائة من شوارع المدينة القديمة الصخرية بحجة تجديد رصفها، ويضاف إلى ذلك تدمير حمام الشفاء التركي، والمدخل الشرقي لأحد الخانات، وعدد من القناطر والأروقة، وأكثر من خمسة مصانع تاريخية للصابون، وسبعة ينابيع مياه رومانية دمرت بالكامل. وانتهى التقرير انتهى إلى أن عدد الآثار المدمرة كلياً أو جزئياً يقترب من الثلاثمائة أثر.
ويذكر أيضاً أن الانتقادات العالمية لم تكن بالصورة التي شهدناها عندما دمرت حركة طالبان تمثال بوذا، ويذكر أن التحرك الوحيد تمثل في موافقة هيئة مكتب مركز التراث العالمي التابع لليونسكو على وضع هذا الموضوع على جدول الأعمال ليناقش في المؤتمر العام الذي كان مقرراً أن يُعقد في بودابست في يونيو 2002. وعلى الرغم من النجاح الذي حقق في استصدار قرار مبدئي بإدانة الممارسات الإسرائيلية تجاه التراث وتشكيل لجنة لتقصي الحقائق فإن الولايات المتحدة بذلت جهوداً محمومة لتعطيل تحقيق ذلك.
حفائر تثبت زيف الأساطير الصهيونية:
أما الحفائر الإسرائيلية في فلسطين فقد بدأت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفقاً لفرضيات مسبقة يتم السعي إلى إثباتها. ومما تقدم فإن الآثار الإسلامية والمسيحية لاقت إهمالاً شديداً بل وتدميراً متعمداً في بعض الأحيان، ويذكر أيضاً أن بعثة فرنسية برئاسة ديولسي قامت بأول حفائر في القدس عام 1863 ، واكتشفت خارج البلدة القديمة مقابر الملوك التي ادعت أنها ترجع لعصر الملك داود، ومنذ ذلك التاريخ والادعاءات تتتابع رغم أن الحفائر أثبتت زيفها. كما انه منذ احتلال القدس بدأت العمليات الحفرية بشكل هستيري، وهو ما أدى إلى تصدع الكثير من الآثار الإسلامية والمسيحية وتعرضها للانهيار. ورغم أن معظم الآثار التي تم العثور عليها حتى الآن تعود إلى العصر الأموي، إلا أن( إسرائيل) تصر على تتبع الهيكل السليماني المزعوم الذي تدعي أنه هو نفسه المسجد الأقصى.
تسجيل مواقع أثرية عربية على أنها صهيونية :
ومن المزاعم المزيفة لخلق تاريخ يهودي للمنطقة تلك الواقعة التي حدثت في عام 2000 عندما أرسل يوسي ساريد وزير التعليم الإسرائيلي رسالة إلى مركز التراث العالمي بوصفه رئيس اللجنة الوطنية الإسرائيلية للإيكوموس، وقد تضمنت أسماء 29 موقعاً مرشحاً للتسجيل في قائمة التراث العالمي بوصفها مواقع تراثية إسرائيلية، وكان من بين هذه المواقع طريق الحج بين مكة والقدس، إضافة لوادي الأردن وخليج العقبة ومواقع أخرى عديدة، تقع خارج نطاق ما هو متعارف عليه باسم (إسرائيل).
إن من يعرفون الكيان الصهيوني لم يستغربوا هذه الأكاذيب الاستفزازية، فقد سبق لها أن وضعت في كتيبات سياحية آثاراً مصرية وأردنية باعتبارها آثاراً إسرائيلية، وهو أيضاً ما فعلت أسوأ منه في فلسطين. ويذكر أن هذه القائمة ضمت مواقع فلسطينية وقد حملت أسماء عبرية، وقد ضمت القائمة القدس وعكا ومسعدة في الجولان المحتل وميكاتشيم وهي ضمن نطاق النقب الجنوبي ، كذلك يذكر أن هذه المواقع ضمت جبل الكرمل الذي ورد باسم هارها كرمل ، ووادي المغارة الذي ورد باسم ناحال مئاروت، تل وقاص باسم حاصور ، خربة الأقحوان باسم شعار هجولان، تل القاضي باسم دان القديمة، وتل الفخار باسم تل عكا ، وقرن حطين باسم كارني هيثم إلى آخر القائمة الإسرائيلية المكتظة بالتزييف.
فمن هنا لابد لنا من فضح الأكاذيب والإدعاءات الإسرائيلية بما تقوم به من تزييف للوقائع والمواقع الأثرية العربية والتي ( أي الوثائق والمواقع الأثرية ) مازالت صامدة في وجه الكذب والنفاق الصهيوني ومزاعمه الشرعية في أرض فلسطين والتي تفضح مخططاته على الدوام.
كمال محمود الخطيب
|